قال الشيخ حسين بن طعمة البيتماني في شرحه على التدبيرات الإلهية:
اعلم أن الإنسان في الظلمات الكونية التي بعضها فوق بعض، كما قال تعالى: {ظُلُمَاتُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ}، والمراد هنا عوالم بشرية الإنسان اللابسة ملابس الأطوار الكونية المخلوق فيها أحوال الإنسان التي هي غيوب النور الإلهي، فلا يظهر ذلك النور إلا بتلك الملابس وهي الأعيان المقدرة الثابتة العدمية إذ هو وجودها ولولاه لم تكن شيئاً مذكوراً، فإشراقه عليها جعلها أعياناً موجودة.
فهو تعالى غائب من وراء كل ملبس عن رؤية الأبصار كغيبوبة الشمس في صورة الظلمات عند طلوعها لأعين الخفافيش لقصور أبصارهم عن رؤية النور فتراه ظلمة، وذلك لطمس البصيرة في الإنسان بالمعاصي والغفلات حتى طبع على القلب فصار لا يعقل ولا يبصر أنوار الوجود المتجلية عليه وعلى كل شيء.
فإذا انصقل القلب بالمراقبة والذكر وتلاوة القرآن وأداء الفرائض والستر انجلت تلك الملابس التي هي الران والطبع على القلب وانتشر منه نور يسري في زوايا الجسم كلها، فيبهت العقل وغيره، وذلك النور هو العلم النافع وهو علم البصيرة بعد زوال الالتباس وانجلاء مرآة القلب كما أشار إلى ذلك الشيخ العارف ابن عطاء الله السكندري قدس الله سره العزيز في حكمه بقوله: "العلم النافع هو الذي يبسط في الصدر شعاعه ويكشف عن القلب قناعه" وهو العلم بالله تعالى، فإذا انصقل القلب حتى صار كالمرآة المجلوة جرى فيها النور المشار إليه فظهرت شفاعته على سائر الأعضاء فيزدهر جميعاً فتقوم الأعضاء بتلك الأنوار.
هذا في الصالحين من عباد الله تعالى، وأما في غيرهم تنقلب الأنوار لهم ظلمة كما قدمناه لالتباس الأمر عليهم فلا يرون إلا الظلمات، والمراد بالظلمات هنا رؤية الأكوان بلا حق. ولما كان الإنسان من حيث هو له نسبة إلى الحق من وجه وله استعداد لقبول النور الحقيقي الذي هو مبدأ أصله من الأزل أراد تعالى أن يزيد ذلك ويعرفه بحقيقة وجوده فقال سبحانه: {قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}، ثم دلهم بأبلغ من ذلك فقال: {وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ}، ثم قرب لهم الدلالة في أنفسهم فقال: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.
كل ذلك ليرجع الإنسان إلى أصله الحقيقي وهو شهود نور الحق في صور الخلق، فمن سبقت له السعادة من الأزل اهتدى ورجع إلى حقيقة نفسه كما قال تعالى: {مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ}، ومن سبقت له الشقاوة من الأزل ضل عن حقيقة نفسه وامتنع عن معرفتها كما قال تعالى: {وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، وقال : {مَّا أَشْهَدتُهُمْ {خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عضدا}.