الحق منزه حتى عن التنزيه - الشيخ ولي محمد الأكبرأبادي

قال الشيخ ولي محمد الأكبرأبادي النارنولي (المتوفى سنة 1157هـ)، أحد مشايخ الطريقة النقشبندية الأحرارية في شرحه على المثنوي عند قول مولانا جلال الدين الرومي:

وصفتَ من لا صورة له بالصورة، فظهر الباطل لأنك لم تتحرّر من الصورة

منك يا من لا صورة له في هذه الصور الكثيرة، يصدر حالُ المشبِّه والمنزِّه

الخطاب هنا للسالك الناقص، أي إنك ما دمتَ غير متحرّر من قيد الصورة والغيرية، فإنّ التنزيه والتشبيه كلاهما باطلان في حقك. لأنك إذا قلتَ: "لا صورة له" قبل فناء الصورة عنك، فإنك لا بد أن تتصوّر "اللامتصوَّر" في الخيال، فيلزم من ذلك التشبيه.

وكذلك إذا قلتَ بالتنزيه المحض وحده، كان ذلك أيضًا باطلًا، لأن الحق تعالى جامع بين التنزيه والتشبيه، خاصة وأنك حينئذ تعتقد أن ذات الحق منزّهة منفصلة عن العالم وأهله، موجودة خارجه، وهذا أيضًا باطل؛ لأن مثل هذا الوجود ليس إلا وجودًا ذهنيًا عقليًا، لا وجودًا خارجيًا. فكان تنزيهك إنما هو بحسب مرتبة الذات الغيب وبحسب الاعتبار العقلي، لا بحسب الوجود الخارجي الحقيقي. وكذلك فإن هذا التنزيه نفسه إنما يُفهم بالإضافة إلى الأرواح والعقول، إلا أن الحق سبحانه منزّه حتى عن هذا التنزيه في ذاته.

وأيضًا فإن تشبيهك، ما دام غير متحرّر من الصورة، باطل؛ لأنك إذا أثبتَّ الصورة والخلق مع الحق، فإنك لا تخرج عن أحد أمرين: إما أن تقول بقدم الاثنين معًا، فتثبت الألوهية لكليهما، وهذا قول المشركين والشرك الجليّ؛ وإما أن تقول إن أحدهما واجب قديم، والآخر ممكن حادث مغاير له بالكلية، وهذا مذهب الحكماء والمؤمنين المحجوبين، وهو شرك خفيّ.

فإذا كان الأول شركًا، فإن الثاني، وإن كان نوعًا من الشرك، فلا يتضمن تشبيهًا بين القديم والحادث ولذا ألحق بالإيمان، ولكن لا يعرف حقيقة التنزيه والتشبيه إلا من تحرّر من الصورة، وانقطع عن الغيرية، ولم ير موجودًا إلا الحق، منزها في مقام البطون والإطلاق، ومشبهاً في مقام الظهور والتنزّل.