الحق هو المشهود كما أنه الموجود - الشيخ إسماعيل حقي البروسوي

قال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي في وارداته:

الحق هو المشهود كما أنه الموجود، فإن الخلق هو عبارة معناها الحق، كما قال تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق}، وقال الله تعالى: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}، فالوجود كله، بعلوياته وسفلياته وأرواحه وأجسامه، عبارة عن الحق عند المحققين، وهم الذين نفوا ما سوى الله حقيقة، وأثبتوه اعتباراً على أنه عين الحق لا ظله. وأما عند غيرهم من المحجوبين ومن يليهم فالوجود كله إشارة على أنه ظل الحق أو نحوه، فمن أبصر فلنفسه ومن عمي فعليها.

ولما كانت العبارة مشتملة على الحروف والكلمات والآيات والسور، جعل الوجود الحقيقي والظلي كذلك، فكتاب الوجود الحقيقي حروفه المجردة الأسماء الذاتية الأحدية وكلماته الأسماء الصفاتية الواحدية وآياته الأسماء الأفعالية الواحدية، وسوره الأسماء الآثارية المظهرية. وكتاب الوجود الظلي حروفه العالية الشؤونات الغيبية، وكلماته التامة الأعيان الثابتة العلمية، وآياته المتعالية الحقائق الأرواحية والمثالية، وسوره الكاملة الصور الحسية والعينية.

ومن هنا يعرف سر قوله عليه السلام: "خلق الله آدم على صورته"، فإن إطلاق الصورة على الله تعالى هو على الحقيقة بالنسبة إلى تجلياته ومراتب ظهوراته، وإن كان مجازاً بالنسبة إلى ذاته الغنية عن العالمين، وصورته هي الحياة والعلم والإرادة والقدرة والسمع والبصر والكلام، وبها تجلى للأشياء، لبعضها ببعضها، ولبعضها بكلها، وأيضاً لبعضها بالقوة ولبعضها الفعل.

فخذ من الحق العبارة ولا تؤولها بما تشتهيه نفسك، ولا يلزم من هذا التشبيه والتمثيل، فإن من مشى على صراط الحق أمن من العثرات، وهو مراد من قال: "ليس في الدار غيره ديار"، فإن الوجود كله له، صورة وحقيقة، ومن وجوده فاضت جميع الأشياء كما أن من نور الشمس استنارت الآفاق كلها.

فعليك بالاجتهاد لأن المجاهدات تورث المشاهدات، وسر الوحدة لا ينجلي لمن كان فيه بقية، واعلم أن السعي في مرتبة الشريعة والطريقة في مقام النفس والطبيعة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، وأما في مرتبة المعرفة والحقيقة في مقام القلب والروح فحصولها بموهبة من الله وفضله لا بكسب، وإن كان الكل في التحقيق مواهب.