الذاكر غائب بمذكوره فلا يحويه ميزان الحسنات والسيئات - سيدي محمد الحراق

قال سيدي محمد الحراق في رسائله:

في معنى الشهادتين: أشهد أن لا إله إلا الله جمع لحقيقة التوحيد باطناً، وأشهد أن محمداً رسول الله جمع لماهيته ظاهراً، لأن الحقيقة المحمدية هي ظاهر التكوين والحقيقة الأحدية هي باطنه، ومن أراد الدخول في الإسلام تعين عليه إخلاص التوحيد من ظاهره وباطنه لأن ملكوت كل شيء وحقيقته الباطنة جميعاً أحدية، وملك كل شيء وحقيقته الظاهرة جميعاً محمدية. فلا بد من إقراره بالتوحيد بالتفريد ظاهراً وباطناً لأنه هو في خاصة نفسه أحدي باطناً، ومحمدي ظاهراً، فلا بد من الاعتراف الدال على باطنه وظاهره فلا تكفيه لا إله إلا الله وحدها لأنه إقرار بالتفريد والأحدية باطناً فقط ولا تكفيه محمد رسول الله وحدها لأنه اعتراف بالتفريد والأحدية ظاهراً فقط ، فلا بد من الجمع بينهما.

وهذه هي النكتة في دخول الكافر في الإسلام بالشهادتين ليسقط عنه ما عمل في حال كفره لإقراره بالفاعل انفراداً. وفي كل حال لا بد من التلبس بمعنى هذا الاعتراف علماً وشهوداً، وبذلك جاء الحديث بالبطاقة التي يخرجها الحق سبحانه لمن غلبت سيئاته حسناته حتى ظهر له أنه هالك فيقول الحق سبحانه: "إني خبأت لك خبْئاً عندي"، فيقول: يا رب وما هو؟ فيخرج له بطاقة فيها مكتوب:ظ لا إله إلا الله محمد رسول الله، فتوضع في الميزان فتطيش سيئاته.

وذلك، والله أعلم، بتفريد الحق سبحانه ظاهراً وباطناً فينسلخ من حقيقته وصفاته وأفعاله حسنة كانت أو سيئة، فتبطل إذ ذاك السيئات والحسنات باطنة كانت أو ظاهرة لسقوط الباطنة بتفريد الفاعل المختار باطناً وسقوط الظاهرة بتفريد الفاعل المختار ظاهراً، ويبقى العبد سالماً من عيوب الشركة في الذات والأفعال والصفات لكن الحق سبحانه يبقي عليه حسناته لأنه ذكر سبحانه أنه تفضل بها عليه، لقوله: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} وحاشاه أن يسترد ما وهب أو يستلب ما أعطى وهو المفضال الغني، وأما السيئات فقد ذهبت ببيان التفريد والله تعالى أعلم، ولولا نور المذكور في طي أسمائه ما طاشت السيئات بوضع البطاقة في الميزان ولذلك اعتنى الناس بسر حرف الأسماء لا بالحروف.

قال ابن عطاء الله رضي الله عنه: وصني بسر اسمك المصون، ولم يقل : باسمك، لأن أسماء الحق سبحانه قد استكن فيها نور المذكور لا نور الذكر، فالذاكر صدقاً يلوح له من ذكره نور ذات مذكوره لغيبته عن الذكر في المذكور الذي هو سر الاسم، وهذه البطاقة التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها توضع في الميزان فتطيش بسببها السيئات وإنما طاشت السيئات بسببها لكون ذاكرها كان حين ذكره عند الحق سبحانه علماً وشهوداً، ويدل لذلك قوله تعالى في الحديث المتقدم: إنما وسعها الميزان لما فيها من الفرق وهو لا إله إلا الله ومحمد رسول الله الدال على عالم الملك ولولاه، أي الفرق، لما وسعه ميزان ولا أرض ولا سماء لأنه سبحانه منزه عن أن يحويه زمان أو مكان.

فهذا الاسم للمشاهد لنور الذات المستكن فيه لا يقام له ميزان ولا ينصب له صراط لغيبته في المذكور المنزه عن كل شيء لظهوره في كل شيء، فليس معه شيء لأن الذي يتوهم أنه معه به ظهر ولولاه سبحانه لم يكن له ظهور لأنه عدم صرف ولا يظهر الوجود في العدم لولا من له البقاء والقدم.