الذكر باب المذكور - سيدي عبد الرحمن العيدروس قدس سره

قال سيدي عبد الرحمن العيدروس في العرف العاطر:

واعلم أنه لما كان لكل ذكر تنوير خاص، اختار للسالك جمع من العارفين- نفع اللّه بهم-من الذكر ما يجمع خواص سائر الأذكار، و هو كلمة: "لا إله إلا اللّه" إذ لها خاصية عظيمة في تنوير الباطن بتجلي الوحدة الإلهية بالتوحيد الخاص الذي هو المقصد الأعلى الذي ليس وراءه مرمى لرام ولا مرقاة لراق، و إن كان عن وجوه يتفاوت إلى صاف و أصفى إلى ما لا نهاية.

فلا يزال السالك يردد هذه الكلمة على لسانه مع مواطئة القلب، إذ بدون مواطئة ليس لها يعتد به، وإن كان لا يخلو عن فائدة، ولا يقتصر على ذكر القلب من أول الأمر؛ لأن لها توجها إلى عالم الشهادة و يشغله ذلك عن الذكر المتمحّض الذي به التوجه إلى العالم الأعلى. فإذا صادف عالم الشهادة متوجها إليه كمل توجهه إلى العالم الأعلى، حتى إنه يتقطع عن عالم الشهادة بالكلية، و حينئذ تصير الكلمة متأصلة في القلب راسخة فيه، فإذا اتصلت فيه أحالت حديث النفس كنور النهار يحيل ظلمة الليل، فإذا غلب تنور القلب بها أدرك جمالها، فتغلب عليه لذاتها، فتستولي الكلمة على القلب ويسري أثر ذلك إلى الظاهر حتى تسهل الكلمة على اللسان، فينطق بها من غير كلفة، و حينئذ يتشرّبها القلب و يجد ذوقها، فلا يكاد يتركها، و إن ترك اللسان.

ثم إنه ينقش الذكر في القلب ويصير جوهر القلب متلون بلونه ، فيصير القلب كأنه الذكر، والذكر كأنه القلب، وبتجوهر الكلمة في القلب يستكن نور اليقين في القلب؛ لأن هذا النور كأنه من عوارض الكلمة إذا تجوهرت، والجواهر لا تذهب بذهاب نورها، فإذا كملت نورانيتها رأى القلب عظمة المذكور، وانتقشت تلك الكلمة في جوهره الصافي، فيتحد الذكر حينئذ مع رؤية عظمة المذكور كاتحاد الصورة في المرآة بالمرآة.

فإذا اتحد برؤية عظمة المذكور صار كأنه ذكره عزّ و جل ذاته في ذاته، وهذا التجوهر هو المقصد الأقصى، ولأجله اتخذ الصادقون الخلوة لا لحصول الكرامات وخوارق العادات.

والبالغ هذا المقام يكاشف بذات الحق مع صفاته التي من جملتها علمه وقدرته، و إلى هذا يشير الإمام الغزالي نفع اللّه به: "الأحوال و المكاشفات حاضرة معك في قلبك، وأنت مشغول عنها بعلائقك وشهواتك، فصار ذلك حجابا بينك وبينها، فلا نحتاج إلا أن وترفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب". وقال الإمام العيدروس نفع اللّه به: "ما حجب عين قلبك عن إدراكها سواك، ومتى تلاشت ظلماتك عنه تجلى له من لم يزل قاطنا به في غيوب الأزل" انتهى.