الروح مجبولة بالعشق - سيدي عز الدين القاشاني

قال الشيخ عز الدين القاشاني في شرحه على سوانح سيدي أحمد الغزالي:

أعلم أن الروح قد نالت من جلال السُّبّوح شرف الاختصاص بقول: {من روحي}، فكأنها مقترنة بالقدم. فلما خرجت من العدم إلى الوجود دخلت عين العشق في الشهود. فلما رأى العشق فيها موضعاً خالياً، نزل فيها واتخذها عرشاً. فالروح تارةً تكون كالذات، والعشق كالصفة "كنت سمعه، كنت بصره"، وتارةً بالعكس {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}. وهذا هو لبّ التحقيق وروح التوحيد: التجريد المحض وعين التفريد.

والعشق في ذاته واحد اللون، منزّه عن الأسماء ومبرّأ من كل نقص. وذاته فوق الجهات، وهذه العوارض خارجة عنها. فلا فرق فيه بين عاشق ومعشوق، ولا بين خالق ومخلوق، ولا سبق فيه لسابق على مسبوق. فأي صورة تظهر من وراء الحجاب حين يبدع العشق ألوانه؟ بل إن العشق من ولاية الصمد، ووجهه متجه إلى قبلة الأحدية، ومنشؤه ذات ذو الجلال، ولذلك هو طاهر لا يزول. ودليله قوله: {يحبهم}، أفلا يكفي هذا؟ وما سواه فهوس لا حقيقة له.

فاعلم أن العشق قديم لا حادث، وأن الحوادث لا نصيب لها إلا من صورته الحادثة، وكيف يكون للحادث قدم في سرادقات القدم؟ وقد بُني على أساس الطهارة، منزهاً عن العلل. فالعشق المحدث إنما هو شعاع من إشراقه، وقطرة من فيضه، وإن كان هذا العشق أثراً من ذلك الأصل، وهذا النظر إشراقاً من ذلك النظر، لكن إن نظرت إلى العين، فربما تجاوزت الأثر.نظم:

لا شك أن الذات هي الشاهد والمشهود، يتقابلان عند الشهود

كمثل مرآتين مصقولتين متقابلتين يعكس كل منهما الآخر

فالذي يوصف بالعشق يُظهر صورته في غيره

وصفة {يحبهم} تنعكس في {يحبونه}

والعشق صفة ذات العاشق على الحقيقة

وهو حياة العاشق، وقلبه عرشُه.

وهنا مقام الحيرة، إذ لا يُعرف من العاشق من المعشوق

وقد كان العشق مع الروح في مقام {ألست}  يعقد مواثيق الألفة

فزرع يومئذ بذره، وما زال يحصد ثمر،

ولما فاح عطر العشق منه، كان الثمر على صورة البذر

بل إن البذر نفسه هو عين الثمر، وما الدعوى إلا زيادة.