السلوك إعراض عن الدنيا وإقبال على المعنى - الشيخ إبراهيم الخاص الخلوتي

قال الشيخ إبراهيم الخاص الخلوتي في شرحه على قصيدة رمزية ليونس إمره عند قوله: 
صعدتُ إلى غصنِ البرقوق، فأكلتُ هناك عنبي
فوبَّخني صاحبُ البستان وقال: "لِمَ تأكل جوزي؟"
المقصود بـ«البستان» هو عالم الدنيا، وفيه يختلط تجلي كل شيء، سواء كان تجلّي الجلال أم تجلي الجمال، وصاحب الجلال والجمال الحقيقي هو الفيّاض المطلق الذي تصدر عنه جميع الفيوضات. 
أما «العتاب» فهو إشارة إلى خطاب صادر من مقام الجلال الإلهي، أي توبيخ من حضرة الباري العزيز تعالى. ومعناه أني حين قصدت، بحسب بشريتي في هذا العالم الفاني، الاشتغال بأمور الدنيا لتحصيل المعاش وتقوية البنية، استحققت العتاب، فوقع في باطني خطاب بلا حروف ولا صوت. 
والمقصود بقول «لماذا تأكل جوزي؟» هو عتاب في شأن طلب الرزق. فالجوز صلب في أكثره، وصعب الكسر، وهو رمز لمشقة الكسب. لُبّه يدل على اللقمة الحلال، وقشره وما فيه من ألياف يدل على الحرام، وما بين ذلك يشير إلى الأمور المشتبهة الواقعة بين الحلال الظاهر والحرام، وكذلك إلى المكروهات. فإن التفريق بين الحلال والحرام في كسب الدنيا أمر بالغ الصعوبة، ولا يكاد الإنسان ينجو تمامًا من الوقوع في الكراهة. وهو إشارة إلى أن في يوم الجزاء حسابًا على الحلال وعذابًا على الحرام.
فكأنه يقول أنه سمع من حضرة الحق خطاباً يقول: يا يونس، أأُرسلت إلى عالم الناسوت لتجمع المال، حلالًا وحرامًا، وتجتهد في أمور الدنيا وتنسى أمر الوصال؟ أتتلوّث بألفة الدنيا ومخالطة الناس وطبيعة الهوى، فلا تنال الوصال، وتبتعد عن قدس ذات الباري؟ أفتكون ممن يقول: {يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانًا خليلاً} وتقف خجلًا أمام الأنبياء العظام والمقبولين في حضرة الله؟ 
أتجئ وتذهب من دون أن تعلم من أين جئت ولا إلى أين يكون سفرك الأخير؟ من دون أن تجد ما في نفسك؟ من دون أن تصبح عارفًا بأسرار الله؟ من دون أن تتحقق بحقيقة سر {كل شيء هالك إلا وجهه}؟ أمثل غيرك من الناس تترك رضوان الله وتطلب معيشة أيام معدودة؟ أنسيت الرزّاق؟ ألا تتوكّل على الله؟ أتفضّل هوى النفس على وصال الباري تعالى؟ فالآن اطلب الرؤية ووصال الحق، واعرف نفسك.
ومعنى البيت أن الإنسان ينبغي أن يطلب معرفة الله، وألا يلتفت إلى نفسه أو دنياه وينسى أمر الوصال، وإلا وقع سريعًا في أوهام الدنيا، فيأكل في هذا العالم الفاني ما تشتهيه نفسه دون اعتبار لحرمة أو معنى، ويلبس المكروه بل ربما الحرام، وينام طويلًا، وينسى أوامر الله ونواهيه، وينطق بما شاء من الأقوال القبيحة، ويفعل ما شاء من الأفعال السيئة، فيصير ذا صفة بهيمية.
والله سبحانه وتعالى لم يخلقك لهذا، بل خلق عباده ليعبدوه ويعرفوه. واللائق بالعبد أن يعبد الله على قدر طاقته، وألا يغتر بماله ولا بنفسه ولا بعلمه ولا بعزه وجاهه، بل يسعى لتحصيل رضوان الله، ويتخذ الأسباب، ويجتهد في السلوك حتى يصير عارفًا بصفته الأصلية وحقيقته الأولى. ثم يجد الطريق إلى معرفة الذات الإلهية، ويصير واقفًا على الأسرار، وبذلك يفني وجوده في الوجود الحقيقي. 
فالذين تحققوا في هذا العلم علموا أن كل صفة وكل موجود ممكن يقتضي ظهورًا، وأن كل موجود إنما هو شعاع ولمعة من صفة إلهية، سواء كانت صفة جلال أو جمال. غير أن الإنسان هو مظهر تجلي الصفات مع الذات، أما غيره فليس إلا شعاعًا للصفات فقط، ومن أجل ذلك حمل الإنسان الأمانة، إذ لم تقدر سائر الموجودات على حملها، لأن استعداداتها لا تتجاوز حدًا معينًا من التجلي، فلا تستطع قبول ما وراءه. أما الإنسان فبوسعه أن يسلك طريق معرفة الذات، ويبلغ أسرارها، ويصير حيًا بحياة المعنى.
فعليك أن تترك الهوى، وتتحرر من أسر النفس والشيطان، وتُخرج من قلبك حبّ ما سوى الله، لتكون مقبولًا محبوبًا عند الله ورسوله، فافهم.