قال الشيخ كمال الدين بن مصطفى البكري في شرحه على أرجوزة والده عند قوله:
إن السلوك في طريق القوم صعب على نفوس أهل النوم
الطريق في الاصطلاح هي السيرة المخصوصة بالسالكين بالله إلى الله تعالى، من قطع منازل الأسماء الإلهية والتنقل في الأحوال القلبية، والترقي في المقامات. والقوم هم السادة الصوفية من الكاملين العارفين. وأراد بالنوم لازمه وهو الغفلة عن الله المانعة عن الاشتغال به تعالى ذكراً ومجاهدة ومشاهدة وشهودا. ثم قال:
لكنه سهل على من مشى فيه وعن عينيه قد زال الغشا
الغشاء هو الغلالة التي تحدث في العين فلا يتأتى لصاحبه رؤية الأشياء على ما هي عليه، وأراد به الحجب المانعة للمريد عن الترقي في المقامات، لأن كل مقام له حجب وموانع يمنع عن الترقي إلى ما هو فوقه، فلهذا احتيج إلى همة المشايخ في ترقي المريدين، والمشي هو بالذكر والمراقبة، ومنازل المشي هي المعارف الإلهية والتجليات الرحمانية. والحب مطية البلوغ إلى المقصود، وبدون لا يحسن المريد نيل المأمول ولو بذل الموجود. ثم قال:
فأنفع الذكر لكل مبتدي ما أمر به الشيخ للمقتدي
الشيخ هو الأستاذ المرشد، وهو نادرة العصر وفريدة الدهر، أقل من القيل وأعز من الكبريت الأحمر، إذ ظفرت به ظفرت بالإكسير الأعظم وملكت كنور الجواهر لها طلسم. قال المصنف في حكمه: الشيخ هو قطع بك لجج المهالك وحملك على سفن التقريب ليوصلك إلى آمالك، الشيخ من استخلص الروح من قيودها، وقيد النفس بالشريعة وحدودها، وجعل الباطن ظاهراً، والظاهر باطناً، فثبت في الفناء أقدامك، وعرفك في السير كيفية إقدامك، الشيخ من كشف لك القناع، وحققك بمعاني الوتر والأشفاع.
قلت: وهو يغترف من بجر العلم اللدني، ولا يشغله حال عن آخر بمحض الفيض الإلهي السني، والمريد هو السالك في طريق الله تعالى، المفارق لأغراض نفسه، المشتغل بمرضاة ربه، المالك لأحواله كلها والتارك كل ما سواه، قال المصنف في حكمه: المريد هو المراقب لأنفاسه، المحافظ على حواسه، الصادق في الطلب، المرئي في العجب، إذ كلما اقترب ازداد تواضعاً وأدبا، صحب من الأوصاف أعلاها، ولم يجنح لكسل ولا لبطالة، ولم تستول عليه ملالة، شيمته الأدب والإطراق، وعليه لوائح القبول والإشراق.