الطهارة من شهود السوى - سيدي عبد العزيز الغماري

قال الإمام المحدث سيدي عبد العزيز ابن الصديق الغماري في معني قول الجنيد، قدس سره:

توضأ بماء الغيب إن كنت ذا سر وإلا تيمم بالصعيد، وبالصخر

أي تطهر أيها المريد الصادق المجد في السلوك إلى حضرة الله تعالى، واغسل قلبك وسرك بماء الغيب النازل على أودية القلوب من عند الله تعالى لمن أقبل على عبادته الظاهرة والباطنة، وترك النظر إلى سواه من الأغيار والأكدار، فلا يلتفت في سيره إلى مولاه إلى شيء دونه، ولا يطلب في خدمته والعكوف على بابه سوى الوصول إلى معرفة الله تعالى وحده من غير نظر إلى الكرامات الحسية والمعنوية، بل يكون قصده في سلوكه وسيره وعكوفه على الخدمة هو الله تعالى وحده.

كما قال الششتري رضي الله تعالى عنه في نونيته:

فلا تلتفت في السير غيراً وكل مــا سوى الله غير فاتخذ ذكره حصنا

ومهما ترى كل المراتب تجتلي      عليك فحل عنها فعن مثلها حلنا

وقل ليس لي في غير ذاتك مطلب فلا صورة تجلى ولا طرفة تجنى

لهذا قال: تطهر بماء الغيب من شهود السوى مطلقاً، والنظر إلى الأكوان عموماً، علوها وسفلها إن كنت أيها السالك إلى الله تعالى تريد السلوك المراد عند العارفين، وهو الوصول إلى نفي شهود السوى، والتحقق بالوحدة المطلقة، فلا ترى في الوجود إلا الله تعالى، وما سواه مظاهر لجلاله وجماله، يحسبه الجاهل غيراُ وكوناُ، وفي الحقيقة ما ثم سواه كما قال تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ}.

فالظاهر هو الباطن ظهر في صور الموجودات وبطن في حقيقتها، فلذلك كان هو الأول والآخر، وإنما عمى البصيرة والوقوف مع الحس وظلمة النفس أثبت أن ذلك شيء ثابت قائم بنفسه، والحقيقة خلاف ذلك ، وإلا كان قوله تعالى يحتاج إلى تأويل بعيد، والأصل خلافه، فإن النصوص تحمل على ظاهرها حتى يرد صارف صحيح عن ذلك.

والعلة في هذا للإنسان هو عدم تطهير قلبه بماء الغيب كما قال الجنيد رضي الله تعالى عنه، فلو طهر عين قلبه لزالت العلة، وارتفع الحجاب ورأى ما في الوجود إلا الله تعالى. ونتيجة هذه العلة النظر إلى السوى وإثبات الأكدار مع الواحد الأحد الذي تفرد بالأحدية والوجود، فلم يشاركه فيها أحد فأشار رضي الله تعالى عنه بقوله: تطهر بماء الغيب، يعني الغيبة عن النظر إلى الأكوان والأغيار، ومنها نفسك التي تثبت تلك التعدد في الوجود، وتطهر من هذا كله إن كنت ذا سر الوحدة ومحو الاثنينية.

فمن حصل له التطهر بصدقه بماء الغيب، فلا بدّ من طهارة سره ونظر قلبه من إثبات شريك السوى، فطهارة الباطن بالمجاهدة والرياضة وترك الهوى وحب الدنيا، وهذه الطهارة تورث المشاهدة والفناء في الذات، فلا يبقى مع ذلك نظر في السوى والتفات إلى إثبات الأغيار فافهم.