قال الشيخ أيوب الخلوتي قدس سره:
قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}، الإشارة في ذلك أن اليقين استقرار الإيمان بالقدر في قلب العبد، فيحمله ذلك على ترك العجلة في طلب الرزق لعلمه بأن القسمة التي لا تزيد ولا تنقص، فتراه راضيًا من ربه مرضيا عنه، لا يقلق ولا يضجر ولا يسأم بالشك. قال بعض هذه الطائفة: لو قيل للطمع من أبوك لقال الشك في المقدور، فإذا وقف مع قسمته ولم يتعداها انقطع عن كل شيء إلى ربه، ولزم بابه دون سائر الأبواب، فهي باب مجرب للأماني، فيه ما شئت من منى وسرور. وقد مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل اليمن فقال: "لا يعدوهم الرزق" وناهيك بهذه المدحة، وما وقف أحد عند حده في القناعة إلا استراح وساد، قال أبو الفيض ذو النون المصري: من قنع استراح من أهل زمانه، واستطال على أقرانه.
والقناعة هي أقرب الأبواب إلى الرضى من المشهد الفعلي. قال واسطة عقد الولاية الشيخ عبد القادر الجيلي قدس الله سره إن الصديقين والأبدال يشهدون من التوحيد في أفعال الخلق ما لو شهده غيرهم لزال عقله، هو أدق أنواع الشهود، فإن الشهود الوصفي يقوم بالعبد إذا حقق التقرب إلى ربه بنوافل الأعمال، وهي التي لها أصل مشروع، وأعلاها ذكر "لا إله إلا الله" وسائر الأذكار.
والشهود الذاتي البرقي يكون باختطاف العبد المعتنى به، فيجذب إلى ربه ويبقى سره عنده ، ويرد إلى بشريته ، فيكون كالدمية صورة لا روح لها، فهو آدمي لا إنسانية فيه، ولم يبق عنده إلا الحيوانية، وهي الحركة الإرادية التي يتولاها الحس، إلى أن يمن عليه سبحانه فيمده من رقائق الإنسانية، ويقيمه بسر قيوميته، فله إذ ذاك صورتان وسورتان، صورة بشرية فيها الحواس الظاهرة، وصورة روحانية فيها الأسرار الإلهية، يتصرف لها فيها وبها، وسورتاه القرآنية وهي الإجمالية المودعة في صورته الظاهرة، والفرقانية وهي التفصيلية المودعة بصورته الباطنة، ويعود من رجال الأنفاس. وذكره هو الله أي الجلالة، فإنها الاسم العلم للحضرة الإلهية، وإذا ذكر غيره فهو راجع إليه من رقيقة أي اسم كان والذي يخص بهذا المقام اسمه الكافي، ولكن لمن لزم الباب، إذ العبد لا تتحقق عبوديته إلا إذا كان ملازما باب سيده، وأما إذا فارقه إلى هوى نفسه، فهو عبد للغير فيه شرك خفي وإن كان مغفورا لكنه يقضى عليه بالتأخير عن أمثاله فافهم.