المحبة لا علة لها إلا المحبة - الشيخ سليمان بن خضر الكرمياني

قال الشيخ سليمان بن خضر الكرمياني في كتاب سير السالكين:

قال الله تعالى: {يحبهم ويحبونه}، فالمحبة من خواص صفته الأزلية، لأنه يحب أحباءه بذاته موصوفاً بالمحبة الأزلية، فكما أنه تعالى يحب الأولياء بذاته وصفاته، فهم يحبون الله بذاتهم وصفاتهم من جميع الوجوه، لأن مصدر المحبة القِدم وليس هناك فعل، ومصدر محبة العباد قلوبهم وليس هناك فعل، فأصل المحبة وقع بغير العلة من الآلاء والنعماء والأفعال والحركات.

كان سبحانه قد أحبهم بعلمه في الأزل قبل إيجادهم واصطفائهم، فكأنه قد أحب نفسه لأن كونهم لم يكن إلا بكون وجوده، ووجوده سبب وجودهم، وهو تعالى أحب فعله، ومرجع الحب صفته، فكأنه أحب صفته، ومرجع الصفة ذاته، فكأنه أحب ذاته ولم يكن غير في البين، فكان هو المحب والمحبوب وصفته المحبة.

وهم يحبونه بتجلي الصفة في قلوبهم، وهو مباشرة نور محبته في فؤادهم، فلما تكحلت عيون أرواحهم بنور محبته طلبت أصل الصفة، فوجدت مشاهدة الأزل عياناً بلا حجاب، فأحبته بالمحبة الأصلة التي تتحول من مصرف الأصل أبداً، فإذا كان كذلك فالمحب والمحبوب والمحبة في عين واحد، وهذه إشارة قوله سبحانه بلسان نبيه صلى الله عليه وسلم في أثناء الحديث: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها".

قال الواسطي: كما أنه بذاته يحبهم كذلك بحبون ذاته لأن الهاء راجعة إلى الذات دون النعوت والصفات، وقال: الحب شرطه أن تلحقه سكرات المحبة، فإذا لم تكن كذلك لم تكن لها حقيقة.

ووقعت لي إشارة في هذه الآية وهي أن محبة الله وقعت في الأزل ولم يتعين وجود الأحباء بشهود الحق تعالى لنفسه، ولكن يكن وجود الأحباء ومحبتهم له إلا بعد أن انكشفت لهم مشاهدته، فثبتت المشاهدة قبل المحبة وثبتت المحبة بعد المشاهدة. والمحبة قبل المشاهدة ليست محبة حقيقة لأنها للآلاء والنعم، فهي معلولة، والمحبة بعد المشاهدة محبة في الحقيقة، ولذلك لم يرتد المحبون بهذه المحبة عن دينهم الذي هو المحبة، لأن من رآه عشقه، وكيف يرجع عنه من كان مسلوب القلب والعقل بعشقه وجماله وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.