المعرفة شهود الحق في الخلق - سيدي محمد المهدي بن القاضي

قال سيدي محمد المهدي بن القاضي في شرحه على تائية سيدي محمد الحراق:

اعلم أنه لو صفت وتطهرت الأسرار من أهل النظر والاستدلال، الذين رأوا كأس المعلومات غير مدام العلم الإلهي، لأبصروا بعين بصيرتهم لطائف أنوار المعلومات متشكلة بأشكال قدرته تعالى، قد ظهرت أزهار مائها، أي ماء القدرة من مائها في رياض ملك علمه تعالى بنعت اختلاف ألوانها، فهي أي الأزهار عين مائها عند أرباب التحقيق من أهل الشهود والعيان.

وما يظهر الزهر غير مائيته لأهل النظر والاستدلال إلا الوهم، والوهم باطل لا حقيقة له عند أهل الشهود والعيان، ألا تراهم يقولون رضي الله عنهم:

انْظُرْ جَمَالِي شَاهِدًا        فِي كُلِّ إِنْسَانُ

كالمَاءُ يَجْرِي نافذا         في أس الْأَغصَان

تَجِدْهُ مَاءً وَاحِدًا             وَالزَّهْرُ الْوَان

يشير إلى حقيقة الانفراد من حيث إطلاق الوجود الله عز وجل، إذ الممكن ما ثبت وجوده وعدمه، وذلك في حق ما سوى الله، والواجب ما تحقق وجوده واستحال عدمه، وذلك في حق الله عز وجل، فثبوت وجود الممكن من وجه خاص، علی معنی خاص وعدمه من وجه خاص علی معنی خاص فأما وجه ثبوت وجوده فهو ظهور العبودية من حيث الشريعة، وثبوت الأحكام لأجل القيام بحقوق الربوبية، وذلك هو المعنى الخاص، وأما وجه عدم وجوده فهو ظهور الأحدية من حيث الحقيقة، وثبوت الأولية والآخرية بنعت السرمدية والديمومية الله عز وجل، مع إطلاق الوجود له تبارك وتعالى أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وذلك هو المعنى الخاص، ولا نعتقد في كلا الوجهين اثنينية ولا غيرية، بل نعتقد: "كان الله ولا شيء معه".

قال الشيخ روزبهان في تفسيره عند قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا} أي قلوبهم محجوبة عن مشاهدة الغيوب، ولو أدركت تلك المشاهد لذاقت طعم الوصال وفهمت حقائق النوال، وعيونهم في غواشي الشهوات ولو خرجت منها لأبصرت انوار الصفات وما التفتت منها الى جميع المرادات، وآذانهم في أثقال الغفلات ولو خرجت من تحتها لسمعت اصوات الوصلة وألحان هواتف بلابل القربة وطابت بسماعها. قيل: لهم قلوب لا يفقهون بها شواهد الحق ولهم أعين لا يبصرون بها دلائل الحقائق ولهم آذان لا يسمعون بها دعوة الحق، ثم وصفهم بأنهم أغفل من البهائم في الضلالة لأن للبهائم استعداد قبول التأديب، وقيل: الأنعام والبهائم لا يحسون بالاستتار والتجلي والارواح نعيمها في التجلي وعذابها في الاستتار.