المقبل على الله زاهد في المراتب ومطلق عنها - سيدي الخضر الشجعي

قال سيدي الخضر الشجعي، خليفة سيدي محمد الحراق، نفع الله بالجميع:

أعلمكم وإياي علم إيقان وشهود وعيان أن أعلانا مقاما عند الله أشدنا زهدا في المراتب والمقامات وكل ما سوى الله، فهذا وإن قل عمله في عالم الأشباح فعمله كثير وكبير في عالم الأرواح، ما قل عمل برز من قلب زاهد، يعني فيما أشرنا إليه.

وأما الزاهد في الدنيا فهو مقام العوام، وإياكم أن تقطع جوانح سيركم بالنظر إلى أعلى المراتب السنية فتحجبون عن الفردانية والتلاشي في عين الأحدية {وأنَّ إلى ربك المنتهى}، وتصحيح البدايات والثبات عليها يعلم النجح في النهايات. أما أولا على سبيل المجاهدة والمكابدة ونيل المزايا والمراتب السنية، ووسطا إطفاء للواهج أشعة الحقيقة اللائحة على بواطنهم، وثالثاً تمكناً وتقريراً وإيضاحاً وتلويناً وغيرة منهم على محبوبهم، فحينئذ تتلاشى الأحوال والأفعال والذوات فيصير الذاكر عين المذكور، كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان، وهم أشد الناس ملائمة للأكوان لما يشاهدون من استيلاء نور الحقيقة عليها، فمنها مددهم وفي الحقيقة رسخت أرواحهم في الحضرة المتجلية بالأكوان.

وأعلمكم يا إخواننا أن الحق إذا أراد أن يحلي عبدا بأوصافه اضمحلت أوصاف بشريته فيسبح في بحر الوحدة فتنشر عليه أردية عالم الذات فيفنى عن وجوده بشهود ربه، غائباً عن تدبيره واختياره بتدبير سيده واختياره، لا حركة ولا سكون ولا إقبال ولا إدبار ظاهره مع المظاهر الكونية ومعناه مع العوالم الغيبية من حيث الجمعية، فمن حصل له الاستغراق كان من ذوي الأذواق، واستوى عنده السفر والمقام والنوم والقيام والضوء والظلام شرابه من ماء واحد صاف زلال وإن اختلفت الألوان في المذاق والطعام، عبادته النظرة مع ما قل من عمل الجوارح الظاهرة، مدده قول الله تعالى: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ}، وقوله تعالى: {وَلِكُلِّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا}، وقوله: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ}، مفوضاً مستسلماً لما يجري به القضاء والقدر، مُكْتَفٍ بعلم الله حيث ما توجه عقله في جميع تقلباته توجه الطاعة، فمن كان هذا حاله فلا يوزن عليه بميزان أهل الظاهر.

ولهذا يقولون إن الفقير ابن وقته، وقال بعضهم: منذ أربعين سنة ما أقامني الله في مقام أكرهه، العارف إذا أصبح ينظر ماذا يفعل الله به، والجاهل ينظر ما يفعل بنفسه، مقامك حيث أقامك، وقال شيخنا محمد الحراق في حكمه: "لا تطلب منه تعالى أن يقيمك في وصف معين"، وبالجملة فالسكون وعدم المنازعة لما يجري به القضاء والقدر مقام كبير لا يمن الله به إلا على الخصوص، الإيمان أن يؤمن بقدر الله خيره وشره حلوه ومره، فلحظة من هذا حاله أفضل من عبادة الثقلين فافهم.