قال الشيخ محمد أمين بن صدر الدين الشرواني في حاشيته على تفسير أنوار التنزيل:
اعلم أن الطالب الصادق إذا سلك على طريق التصفية بإرشاد المرشد الكامل المكمّل، واشتغل بالذكر الدائم والتوجه التام إلى المبدأ، ونفى الخواطر، وتخلص سره عن ذكر الغير، وصقل قلبه بصيقل الذكر والتوجه، وصفا عن الكدورات، انعكست على باطنه أنوار الأشعة الإلهية، وانجذب نحو الملكوت الأعلى، وبقوة ذلك النور والجذبة انخلع من الصفات الموجبة لتقييده، وعبر عن مضايقها: أولاً عن الصفات البشرية، فالحيوانية، فالنباتية، فالعنصرية.
ويحصل له في كل مرتبة عنها يعبر عنا مكاشفات وحالات، ففي مرتبة الانخلاع يرى نفسه يطير بجسده المثالي في هواء الروح، ويسري في براري وصحارى المقامات، وفي بحار الأحوال، ويشهد في كل مقام عجائب وغرائب، فإنه كلما قطع فلكاً من أفلاك النفس اتصل بروحانية تلك الفلك في الآفاق، فتحصل له علوم تلك الروح كما أشار إليه عز من قائل بقوله: {وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين}.
حتى يعبر بروحه وجسده المكتسب المثالي عن العرش والكرسي، وينخلع بالكلية عن الأجسام والجسمانيات، فيصير مجرداً صرفاً، ويتجلى له ربه عز شأنه بلا كيف ولا جهة، فعند هذا التجلي الذاتي الأحدي يفنى السالك ويضمحل ويرجع إلى العدم الأصلي، وهذا هو مقام الفناء في الله الحاصل لكمّل الأولياء.
وبعد هذا الفناء يصبح باقياً بالله، كما ورد في الخبر: "من قتلته فعلي ديته، ومن علي ديته فأنا ديته"، وهذه نهاية ظهور كمالات الحقيقة الإنسانية التي هي مظهر جميع الأسماء والصفات الإلهية، وعند تحقق العارف بهذه الحقيقة يرى الأمر على ما هو عليه وتنجلي مداركه ومشاعره، فيجد أن وجودات الأشياء وما يتبعها من الكمال فائضة على الدوام من جناب الحق تعالى، بحيث لو انقطع الفيض لحظة لرجع العالم إلى العدم الأصلي. بل الأشياء كلها مظاهر ومرايا وشؤونات وكلمات للذات الأحدية، إن اعتبرت في ذاتها كانت معدومات صرفة، وإن اعتبرت من حيث إنها حيثية من حيثيات المبدأ وشأن من شؤونه كانت موجودات. كالثوب، فإنه غير مغاير للقطن، بل من اعتباراته وتجلياته.
فليس في الوجود إلا ذات واحدة هي حضرة الوجود، قد انبسطت على هياكل الموجودات وتجليت فيها، فالتعدد والكثرة إنما هي في نظر المحجوب:
وما الوجه إلا واحد غير أنه إذا أنت عددت المرايا تعددا