النفس الصنم الأكبر - سيدي عبد الرحمن العسكري البيرامي

قال الشيخ عبد الرحمن العسكري البيرامي في كتاب مرآة العشق:

كل قلب يقع في ديار الشهوات الحلال ولا يهرب إلى ساحل النجاة بالقناعة يبقَ أبدًا في التفرقة.﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾.وينبغي للدرويش أن يعتزل في كهف القناعة وزاوية الفراغ حتى يجتمع قلبه بلذّة العبادة. وقيل: «حرام على أهل الدنيا الآخرة، وحرام على أهل الآخرة الدنيا، وكلاهما حرام على أهل الله». وأوحي إلى داود عليه السلام: «يا داود، فرّغ لي بيتًا أسكن فيه». فقال: «إلهي، أنت منزّه عن البيوت، فما معنى هذا؟» فجاءه الخطاب: «طهّر قلبك من علائق الكون». فإن أنوار المحبة الإلهية لا تشرق في القلوب الملوّثة بمحبة الدنيا.

إذا لم يكن القلب وطنًا للعشق، فأيُّ نفعٍ للقلب حين يأتيه المعشوق؟

وقد فسّر أهل الحقائق قوله تعالى:«وطهّر بيتي» بمعنى: «طهّر قلبك من تعلّقات العالمين». وأرواح العارفين وقلوب العاشقين مطّلعة على رموز الأسرار الإلهية. نظم:

يا أخي، اجمع قلبك، واضرم فيه بنار العشق حتى يصير شمعة التوحيد

طالب الجنة والهارب من النار عابدٌ لنفسه، وطالب عشق الله عارفٌ بوجه الأزل.

وقد قالوا: «النفس هي الصنم الأكبر». وقال بعض العارفين: «محبة النفس عبادة الصنم». فإذا تعلّق الدرويش الصادق في سلوكه بمحبة الشهوة الحلال وقع في التفرقة وحُجب عن التجلي. وإذا مال إلى نعيم الدنيا لم يُشرّف بذوق العرفان ولا بالفضل والإحسان. وكل درويش حصل له العشق والوحدة بالفيوضات لا يعود يجد لذةً في نعيم الدنيا ولا في راحتها، ولا يسكن إلى غير الحق، بل يقنع بما يقيم الحياة فقط.

شعر:

القلب الذي ألف العشق لا يطلب روحًا ولا حبيبًا، ومن كان في وحدة العشق لا يطلب للداء دواء

ومن شرب كأس العشق من الأولياء وجد الحياة، فلا يطلب ماء الحياة من يد الخضر امتنانًا

ما شأن طالب الرؤية بجنّة الفردوس؟ لا يريد الحور والغلمان ولا يلبس حلل الديباج

ومن كان غواصًا في بحر المعرفة يطلب درر المعاني، لا يقف عند عالم الماء والطين بل يطلب بحر المحيط

والذين طاروا بالعشق إلى عالم الأرواح، لا يبقون في العالم السفلي ولا يطلبون ملكًا خرابًا

وملك الوحدة هو مقام أهل العشق ومنزلهم، فلا يخطر ببالهم السلطان ولا يطلبون الملك

وفي عالم «لي مع الله» يكون أهل الوجد منفردين، ولا يريدون ضجيج الأغيار ولا صياحهم

وما دامت أسرار العشق فيضًا دائمًا على لوح القلب، فالعارفٌ لا يطلب ديوانًا آخر.

وقال أهل الله: إن العارف إذا حُبس في سجن عالم الصور وأُسر في قفص النفس، فإن بساتين الدنيا وزهورها لا تساوي عنده شيئًا، خصوصًا إذا سمع قوله تعالى: ﴿كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهه﴾.  نظم:

لا يهبني وردُ البساتين وسروها صفاءً، فإن أظهرتَ جمالك كفاني ذلك عن زينة العالم.

أيُّ لذةٍ يجدها الإنسان في السجن؟ لا يجد في ذلك السجن راحةَ نَفَسٍ واحد

العالم سجنٌ لأهل العشق، والدنيا جحيمٌ عند أصحاب العشق

صار تجلي الوحدة مطلوبًا للعشق، حتى يكون العاشق والعشوق والمعشوق ذاتاً واحدة

العشق والمحبة كلّها فيض من الأنوار، والتجلي هو جمال وجه الحبيب

فيا فارس ميدان الطريقة، ويا راكب صحراء الحقيقة، لا تدخل ميدان العشق راكبًا فرس النفس. فإن أهل الله يذرّون تراب الطريق بتراب الغيبة عن النفس. وروي أن الحق سبحانه خاطب قلب أبي يزيد البسطامي فقال: «يا أبا يزيد، ماذا تريد مني؟» فقال: «إلهي، أريدك أنت». فقيل له: «إن عبادتك وطاعتك كلها لك، وعندنا طاعات لا تُحصى ولا تُقدّر». فقال أبو يزيد: «إلهي، أنت أعلم بما يليق بك، فعرّفني». فأُلهم: «ائتِ بقلب لا وجود فيه ولا دعوى». فقال: «إلهي، وما أبو يزيد حتى يأتي إلى حضرتك بقلب؟» فقيل له:

 نظم

وجودك كله حجاب لك، وأنت في هذا الحجاب صباحًا ومساءً

وصار هذا المعنى حجابًا لك أيضًا، فصار الروح والجسد حجابًا عجيبًا

فإذا تركت الأنانيات لذلك النور المطلق، صار العيان هو الحق

فأفنِ نفسك عن نفسك فناءً كليًا، حتى ترى الواحد في الواحد

فيصيرجمال العشق مرآة، ويفني الإثبات والنفي في تجلي الوحدة