قال سيدي محمد الحراق قدس سره في رسائله:
اعلم أن عقل الغافل في طوع جسمه يدبر أموره أبداً من كل ما يحتاج إليه في جميع أوقاته، فكأنه أسير في يده لا يفعل إلا ما يحتاج له، وإذا أراد الله بعبد خيراً ألهم جسمه أن يكون ذاكراً له باللسان، والفرض أن العقل له تبع في كل ما يحب، فإذا ذكر الذاكر بلسانه والعقل مشغول بأموره من كل مأكول و مشروب وغيرهما فلا يسمع ذكر اللسان ولكن إذا دام الإنسان على الذكر ربما وجد العقل فارغاً في بعض الأوقات فسمعه وإذا سمعه تذكر وطنه الأصلي وعالمه النوري فطار بحكم القهر إليه وترك الجسم مهملاً لا يبالي به، فإذا رآه الجسم على ذلك الحال تبعه على ما هو عليه لانحيازه إلى حمى الله وصار الجسم بعد أن كان متبوعاً تابعاً وصار العقل بعد أن كان تابعاً متبوعاً، وظهرت على الجسم أحوال العبودية وظهرت على العقل أنوار الربوبية، ولا يزال الأمر كذلك حتى يحصل الوصول ويمزج الكل بالكل ويصير الجميع كُلا واحداً، وقد كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما كان عليه ، فتهل يا أخي في الذكر دواماً ، ولا بد ولا بد فإنه لا تجتمع معه رعونات النفوس.
واعلم أن الإنسان له ظاهر جسمي طيني وله باطن نوراني روحي، وهو منسوب لما غلب عليه من الأمرين، فظاهره مطلوب بالوقوف على حدود الشرائع بحيث يكون دورانه في عالم الحس محفوظاً عن الخروج عن ما حد له حالاته شرعاً في جميع حالاته حتى يكون عبداً الله وحده بظاهره بحيث لا يكون للشيطان تسلط على ظاهره وذلك بمعونة التوفيق وسابقة الفضل من الله سبحانه. وأما باطناً، فمطلوب أيضاً أن يكون عبداً الله في جميع حالاته وكل مقاماته، وذلك بأن يكون عقله في حضرة الله أي الحضور معه سبحانه من غير أين ولا كيف، أي من غير معية لأن شهوده سبحانه ينفي الوجود كله وحينئذ يكون عبداً الله وحده بحيث لا يكون للشيطان تسلط على باطنه، فإذا كان للشيطان على ظاهره تسلط بحيث يخرج عن قانون الشرع ظاهراً في بعض أحيانه فليس عبداً الله في جميع حالاته ظاهراً، وإذا كان عقله يقف مع غير الله في بعض أحيانه فليس عبداً الله في جميع حالاته باطناً لأن للشيطان تسلطاً عليه من جهة باطنه، فإذا تسلط الشيطان على ظاهره بالخروج عن قانون الشرع وعلى باطنه بصرف العقل لغير الله فليس عبداً الله لا ظاهراً ولا باطناً.
والذي يضيع الشرائع من أهل الباطن فليس ذلك من قوة الباطن بل من ضعفه، لأن الحقيقة في التحقق بها هي التي جاءت بالشرائع، فالذي يضيع الشرائع لم يتحقق بالحقيقة ويألفها حتى كأنه مفطور على شهودها من أول نشأته، بل هو أبله لا يشاهدها في كل شيء، وإنما أسكره استنشاق رائحة عظمتها فغاب عن حسه جملة فأخذت الحقيقة باطنه وطردت ظاهره، ولو أخذته كله لجذبت إليها ظاهره بإقامة الشرائع وباطنه بالجلوس على كرسي التفريد بتحقيق الحق الأول الظاهر بآثار الصفات الباطن بأنوار الذات، الأول قبل وجود الكائنات الآخر الباقي بعد فنائهم، لأن الأولية والآخرية باعتبار وجود الخلق وفنائهم . فالأولية والآخرية راجعان للخلق فقط وأما هو سبحانه فلا أول له ولا آخر له بل هو باق بحاله قبل وجودهم وبعد فنائهم ، فهو الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية.