قال سيدي أحمد الكوسج الطرابزوني النقشبندي:
اعلم أن طريق الذكر مأخوذ عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بواسطة أصحابه رَضِيَ اللهُ عَنْهُم بالتلقين، لما روي أن عليًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ للِنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "دلّني على طريق أسهل علي وأفضل عند الله عزّ وجلّ"، قال عليه الصلاة والسلام: "عليك بذكر الله عزّ وجلَّ" وفي ذلك الحين لقنه كلمة التوحيد لأن من خصوصيات هذه الكلمة تربية النفوس الأبية وتصفية القلوب الصدية وتجريد الطبيعة عن القيودات العنصرية، وإفناء الوجود الإمكاني، وإثبات الوجود الحقاني، وبها يربي المشايخ السالكين، ويلقنونها للمريدين في ابتداء إراداتهم.
أما من بدت عليه بوادي المحبة الذاتية، والجذبة الأحدية، فشغله باسم الذات، لأن أصحاب الجذبة لا يحتاجون إلى النفي، والواصلون إلى حضرة الذات الأحدية والمتحققون في مرتبة الفردانية إنما يشتغلون بهذا الاسم الأعظم.
سئل مريد مولانا جلال الدين الرومي قدس سره: لكل واحد من المشايخ أسماء من الأسماء الحسنى يذكرونه في طريقتهم، فأي اسم لكم من أسماء الله تذكرونه في طريقتكم؟ قال: نحن إنما نذكر في طريقتنا الله الله الله؛ لأنا ننسب إلى الله، ونجيء من الله، ونذهب إلى الله، ونترك ما سوى الله لأجل الله، فطريقتنا طريقة الجذبة لا يحتاج السالكين فيها إلى النفي، وإنما يلزمه أن يذكر اسم الذات، لكن لا بد له أن يلقنه عن الشيخ الكامل المأذون بتلقينه والمحقق بالخلافة في الطريقة.
وبدوام الذكر على باللسان ينزل الذكر إلى القلب، فحينئذ يذكر بالقلب إلى أن ينتقل الذكر إلى الروح، ثم إلى السر؛ لأن المقصود من ذكر اللسان تحصيل ذكر القلب، ومن ذكر القلب تحصيل ذكر الروح، ومن ذكر الروح تحصيل ذكر السر. قال مولانا، قدس سره العزيز: مجالسنا على التحقيق صمت، وذكرنا قلبي وروحي وسري فلا مدخل للألسنة في ذكر القلب والروح والسر، فالفكر: ذكر القلب، والعشق: ذكر الروح، والمعرفة: ذكر السر.