سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حقيقة مراتب الوجود - سيدي عبد الله البوسنوي

قال الشيخ عبد الله البوسنوي البيرامي في شرحه على نظم مراتب الوجود:

اعلم أن للنفس الرحماني والأمر الرباني الممتد من الغيب المطلق واللاتعين إلى منازل الظهور -وهو الجمع الإنساني الكمالي، والمظهر المحمدي - مراتب فبعضها عمائية غيبية، وبعضها أسمائية إلهية، وبعضها روحية عقلية، ثم نورية طبيعية علوية، ثم عنصرية سماوية، ثم عنصرية أرضية، هكذا إلى المرتبة المحمدية الكلية الكمالية. ولا يعرف تلك المراتب حقيقةً إَّلا من عَبَرَ عليها في السير والعروج إلى الله تعالى، وانطلق عن قيودها، وبلغ إلى أعلى رتب العماء، وهي رتبة انبعاث ذلك الأمر الرباني، والسر الوحداني من قلب التعين الأول والغيب المطلق، أو اطلع بالاطلاع الإلهي، والكشف الرباني عنها.

وما حصل هذا الشهود العمائي إلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حقيقةً، ولورثته الكاملين في الوراثة، ولابد للعارف المتوجه إلى حضرة الألوهية العازم على الدخول على سرادقات الوحدة الذاتية من شهودها، والعبور عليها.

واعلم أن ظهور الموجودات إنما هو انبساط التجلي الذاتي الأقدس، وامتداد النفس الرحماني الأنفس على مراتب الوجود؛ لأنه لما تعين النفس الرحماني والتجلي الذاتي في رتبة التعين الأول، سمى انبساطه على المراتب وتعينه بها بالظهور؛ لأن هذا الانبساط إنما هو هو بحسب الحقيقة، وإن لم يكن هو بحسب المرتبة.

وأضاف الظهور في تلك المراتب إلى الرحمن لأمرين، أحدهما: أن النفس الرحماني الممتد من اللاتعين منسوب إلى الرحمة وسمى ذلك التجلي الأقدس الأنفس «بالنَفَس» لتنفيسه عن كرب الاستهلاك في الغيب المطلق بامتداده وانبساطه منه، وتنفيسه عن الأسماء الإلهية والحقائق الغيبية كرب عدم تميز بعضها عن بعض، وعدم ظهور آثارها وأحكامها.

والثاني: أن الأعيان الممكنة التي قبلت الوجود بانبساط النفس الرحماني عليها لما وجدت به تنفست عن ضيق العدمية، وكرب الاستهلاك في الوحدة الذاتية، فلما تجلى الرحمن بالتجلي الوجودي العام ظهر وتجلى على حسب المرتبة الوجودية التي قدرها الله تعالى في الوجود، وحينئذ كان الظهور في المراتب للرحمن من مرتبة الرحمة الرحمانية إلى آخر مراتب الوجود، وهي مرتبة النوع الإنساني الكمالي.

واعلم أنك إذا نظرت إلى نفس المراتب قلت هي مراتب الوجود في الإيجاد من حيث إيجادها بالنفس الرحماني، والتجلي الوحداني الممتد على مراتب الوجود لإيجاد الصورة الكلية الكمالية المحمدية؛ وإن شئت قلت: هي مراتب الوجود الحق المتجلي والمتنـزل إلى جهة الإمكان؛ وإن شئت قلت: مراتب محمد صلى الله عليه وسلم من حيث عبوديته وجهة الإمكانية.

وإذا نظرت إلى الصورة الكلية المحمدية؛ قلت هي حق باعتبار قوس العلو من الدائرة الوجودية، وقلت هي خلق باعتبار الطرف الأدنى منه، فتكون مراتب الوجود بالنسبة إلى تلك الصورة المحمدية.

أي تكون مراتب لتلك الصورة الجمعية الكلية المحمدية التي ظهرت في النفس الرحماني المتعين فيها الصورة الأسمائية الإلهية بآثارها، وأحكامها المخزونة في حقائقها فافهم.