صورة القلب ومعناه - الشيخ نجم الدين دايه

قال الشيخ نجم الدين داية في منارات السائرين:

منشأ صورة القلب التي هي المضغة هو الذرة التي استخرجها الله من ظهر آدم يوم الميثاق، وأما منشأ روحه الذي هو حي به، فهو الذي استفادت الذرة عند استماع خطاب {ألست بربكم} من الفيض الإلهي، فكما أن تلك الذرة المستخرجة صارت بذر شجرة القالب وثمرة القلب، كذلك صار ذلك الفيض المستفاد من الفيض الإلهي بذر شجرة روح القلب وثمرة روح روحه وهو الذي أخبر الله عنه بقوله : {كَتَبَ في قُلُوبِهِمُ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوح منه} وهو الإيمان الفطري عند خطاب {ألست بربكم} كتبه بقلم توفيق الإقرار بربوبيته إذ قالوا: {بلى} وأيدهم بروح منه وهو ثمرة شجرة الإيمان الكسبي، إذا آمنوا وعملوا الصالحات.

فلما أيدت شجرة روح القلب فأثمرت بالروح المنفوخ منه تعالى، استعدت للقبول من الشجرة الطيبة، التي هي الكلمة الطيبة، كلمة لا إله إلا الله، فتثمر ثمرة الوحدة التي يسكر بها السالكون ويبقى بها العارفون. وهذا تحقيق قوله تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبِ سليم}، يعني يوم الرجوع إلى الحضرة لا ينفعه للوصول إلى الحضرة المال الذي كان نتاج أفعاله، ولا البنون الذين هم مكتسبون من ذاته، إلا أن يأتي إلى الله بقلب مستفيض سليم من آفات تعلق الكونين، ذي سلامة من انحراف المزاج، قابل للفيض الإلهي بلا واسطة.

وإنما سمي القلب قلباً لأنه يتقلب بتقليب مقلب القلوب، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء ولأنه خلق وسطاً بين عالمي الغيب والشهادة، وهما الروح والجسد، ويتولد القلب من ازدواجهما، فصورته متصلة بالجسد وروحه متصلة بالروح، وقد عبر صلى الله عليه وسلم عن عالمي الغيب والشهادة بالإصبعين لأنهما صورتا صفتي لطف الله تعالى وقهره في قوله: "فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه"، أي: فإن شاء أقامه باستيلاء صفات الروحانية عليه إقامة متوجهة إلى حضرة العزة، وإن شاء أزاغه، أي بغلبات صفات الحيوانية عليه فبات معرضاً عن الحق متوجهاً إلى الدنيا وشهواتها واستيفاء لذاتها وطلب جاهها.

فإن من سننه تعالى قوله: {إِنَّ اللهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ فلا يزيغ القلب إلا بعد أن يزيغ العبد أعماله الجسدانية، كما قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}أي زاغوا بإيذاء رسول الله أزاغ الله قلوبهم عن الإيمان ، فكذلك إقامة القلوب إنما يكون بإقامة شرائط العبودية في تصفية القلب وتنقيته.