علم التصوف أجل العلوم - سيدي إسماعيل حقي البروسوي

قال سيدي إسماعيل حقي البروسوي:

قال الله سبحانه وتعالى: {لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا}. نكّر العلم والشيء؛ إشارة إلى أن العارف بالله إذا وصل إلى الله، كان علمه علماً واحداً، هو علمه بالله تعالى، فهو أجل العلوم، كما أن الله تعالى أجل المعلومات.

يعني إن أجل العلوم هو ما تعلّق بأجل المعلومات، وأما ما عداه مما تعلق بغير الله تعالى؛ فدونه. فظهر أن علم التصوف أجلُّ العلوم، لأنه باحث عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله من طريق الكشف لا من طريق العقل كما عليه أهل الحكمة البحثية ونحوهم، وكذا العلوم الكشفية إذا لم تكن سفلية متعلقة بالأكوان؛ بل كانت عُلوية متعلقة بما ذكر من ذات الله وأسمائه وصفاته وأفعاله؛ وهي عين العلوم التي تُذكر في كتب التصوُّف؛ لكنها من قبيل العين والأذواق، وما في كتب التصوُّف، فرموز، وإشارات، ورسوم.

وإنما نكر الشيء لأن الأشياء أيضاً في الحقيقة شيء واحد، والوجود والعالم من جوهر واحد، فإذا اتحد العلم؛ اتحدت الأشياء، ولما لم تكن الأشياء ذاتية أصلية باقية على حالها، وإنما خُلقت كتلوّن زوال، وشواهد اضمحلت عند حصول الفناء، فكان علم الفاني في الله العلم بالله لا العلم بالأشياء.

وهذا بالنسبة إلى العبد، أما علم الله تعالى فلا تعتبر فيه الإضافة أصلاً لأنه علم الخالق، ولا شك أن المخلوق إنما يستفيد العلم من الخالق؛ فهو مصدر العلم المطلق منبعه فلا يضاف إلى علمه علم إلا وهو يجنيه؛ كقطرة من سبعة أبحر، أو كأمر معلوم لا وجود له. فانظر أن الله تعالى هو العليم الخبير فلا يخبر عن الغيب إلا هو، ولا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول؛ وهو الرسول المطلق المظهر بجميع الحقائق الأسماء الإلهية على التفصيل المظهر للحكم والعلوم للمستأهلين بقدر قابليتهم الأولية، واستعدادتهم الأزلية، وعلى أثره يمشي من اتبعه على بصيرة في جميع المراتب، والله تعالى خير المطالب.