قال الشيخ علاء الدولة السمناني قدس سره:
قال الله تعالى في الحديث القدسي: "من تقرب إلي شبراً" أي بترك الدنيا والعزلة عن أصحابها، "تقربت إليه ذراعاً" بإعطائه الآخرة والأنس بأهلها، "ومن تقرب إلي ذراعاً"بترك مشتهيات النفس هواها في دنياه "تقربت إليه باعاً" بإطلاعه على معرفة نفسه التي تثمر معرفته بي والتوحش عما سوائي على وفق رضائي "ومن تقرب إلي باعاً" ببذل نفسه في طلبي بحيث لا يخاف لومة لائم وجدني مهرولاً إليه بجميع الصفات، متجلياً عليه بالذات وأنا أقرب إليه من حبل الوريد في جميع الأوقات.
ولكنه محجوب عني بأوصاف النفس، المائلة إلى تربية القوى الجسمانية، المتلذذة بالدنيا الدنية، وبأخلاق الروح العلوية المتنعمة بالعقبي، وباللطيفة الأنانية المشحونة بالدعوى. فإن أعرض عن الكل، وأقبل إلي، وجدني أقرب إيه منه، لأن حياته مني، وقيامه بي. وفي معناه أيضاً: من تقرب إلي شبراً برفع الأستار تقربت إليه ذراعاً بكشف الأسرار، ومن تقرب إليه ذراعاً بحفظ الأسرار، تقربت إليه باعاً بتجلي الأنوار، ومن تقرب إلي باعاً بمتابعة حبيبي المختار عند تجلي الأنوار، أتيته هرولة وأشهدته نور الأنوار.
واعلم أن النفس مظهر صفة الربوبية، ولهذا قال عليه السلام: "من عرف نفسه فقد عرف ربه"، وما قال: فقد عرف الله. والذي يحجبك عن مشاهدة ربك هو ظلمات الباطل التي امتلأت بها عينك، فمتى تخلي العين عن الباطل -ولا يمكن ذلك إلا عند مجيء الحق- ترى الحق بعين جمال ربك، وتشاهد كيفية زهوق الباطل وتشكر الل على ذلك. فاسمع مني يا طالب الحقيقة ونعيمها: زيّن قلبك بالصفاء، وإن كنت تطلب جمال المحبوب فتوجه بكلية القلب إليه بحيث لا يسع في قلبك غيره البتة. فأعرض عن الدنيا وأهلها بالتجريد، وزين باطنك بالتفريد، وتوجه بالكلية إلى التوحيد حتى تتشرف بمشاهدة جمال الملك المجيد.
واعلم أن الوجود حق والعدم خلق، والحق حق والخلق باطل، وإذا جاء الحق زهق الباطل، والحق يبقى، والباطل يفنى، كما قال تعالى: {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. واعلم يا طالب النور أن السراج بدنك، والفتيلة قلبك، والدهن روحك، والكبريت سرك، والحراقة نفسك، والزناد و الذكر. ونار لطيفة الخفي مودعة في حجر الوجود البشري، فاطلب زناد الذكر، واضرب على حجر الوجود، حتى تخرج نار الخفي، فتأخذها بحراقة النفس وتشعل بكبريت السر فتيلة القلب المودعة في سراج بدنك حتى تنور بيتك في ظلام الليل البشري {الله نور السماوات والأرض}.
فإذ طلع الصباح استغنيت عن المصباح والاشتغال بالقيل والقال لأن حق وجود الخفي، والخفي روح السر، فالخفي حجاب الحق، والسر حجاب الخفي، والروح حجاب السر والقلب حجاب الروح، والنفس حجاب القلب، والقالب حجاب النفس، والذكر رافع الحجب كلها. فأعرض عن الدنيا وداوم على ذكر الملك العلام وراقب قلبك على الدوام حتى تصل إلى المرام.