لا تترقب فراغ الأغيار - سيدي علي بن عبد الله باراس الحضرمي

قال الشيخ علي بن عبد الله باراس الحضرمي الشافعي في شرحه للحكم العطائية، عند قوله: "لا تترقَّب فراغَ الأغيار؛ فإنَّ ذلك يقطعُك عن وجودِ المراقبةِ له فيما هو مُقيمُكَ فيه":

وذلك لأنَّ فراغَ الأغيار، وانقطاعَ الآثار لا ينقطع عنك ما دمتَ مُقيماً في هذه الدار، فمن راقب فراغها ضيَّع ما هو المطلوب منه؛ وذلك مراقبةُ الله فيما يُقيمك، فلا تجتمع مراقبةُ الله ومراقبةُ غيره؛ فالمراقبةُ لما يتحلَّى به من الأوصاف والنعوت، والمحاسبةُ على ما يظهر على العبد من الكلام والسكوت، والأعمال في سائر الأحوال، فمن فاته مقامُ المحاسبة فاته حقُّ العبادة ظاهراً، ومن فاتته المراقبة فاتته العبودية باطناً، فمتى يخلو عن المطالبة بالقيام بالعبادة والعبودية حتى يترقبها في آنٍ ثان؟!

وترقُّبُ فراغِ الأغيار وانقطاعِ الآثار حجابٌ عن شهود الأنوار، فالفقيرُ الصادق يقطع كلَّ ما عرض له من عوارض الأغيار، ويزيل عن وجه قلبه كثيفَ الآثار بموالاة الأذكار وصافي الأفكار، فلا يترقب فراغَ الأغيار، وليكن بحكم وقته، فترقُّب العبد إلى ما هو آت، وضياع الحال.. ضلال.

فإذا لم تحكم الوقت الذي أنت فيه فما تدري ما يأتي الوقت الآخر وأنت باقٍ على ما أنت عليه، أو قد خرجت عن الإمكان: إمَّا بمفارقة الحياة، أو عدم مساعدة الوقت الآخر بذلك العمل.

وقال عند قوله: "لا تستغرب وقوعَ الأكدار، ما دمتَ مُقيماً في هذه الدار؛ فإنها ما أبرزت لك.. إلا ما هو مُستحقُّ وصفِها وواجبُ نعتِها"

ولا تستغرب وقوعَ المكدِّرات، ووجودَ المنغِّصات للعيش، المؤلمات للقلب والبدن، ووقوعَ المصائب، ونزولَ البلايا وحدوثَ المعاطب؛ إلا مغرورٌ خَبيل، وذو عقلٍ قليل. فالمكدِّراتُ للعيش في هذه الدنيا من قبيل المصائب الدنيوية، والحوادث الكونية؛ وذلك إمَّا بفراق محبوب، أو نزول مرهوب، أو قصورٍ عن مطلوب، حاصلٌ لعبدٍ من المقاساة والتعب إذا لم يعتدَّ له بعُدَّة الرضا والتسليم، وفواتُ الثواب والأجر إذا لم يتلقَّه بالصبر، ومع كونه يفوته ذلك الحال الشريف؛ فلا مردَّ له عنه بحيلة، ولا تصريف.

فمن أعون الأسباب على حصول هذه الأحوال، التي هي الرضا والتسليم، الفناءُ عن أوصافك، والتعلُّقُ بأوصافه؛ فعند فنائك عن وصفك، والتعلُّق بوصفه تستلذُّ البلاءَ وتستحليه؛ لأنَّك بوصفه لا بوصفك، فلا تستبعد ذلك، كيف ودلالُ الحبيب أعظمُ لذَّةٍ من إقباله، كما يرى ذلك من ذاق هذا المشهد، وتحقَّق بذلك المقصد؟! وحكاياتهم في ذلك تكاد تخرج عن الحصر.

وأمَّا علمُ ما الدنيا محتويةٌ من مكدِّرات العيش فهو ما عجنها به من شوب الشهوات، والدواعي البشريات، والأغراض المختلفات، فلا ينفكُّ ما دام في هذه الدار إقامته، فلا تستغرب أيها المؤمن وقوعها، ولا تستقذر طلوعها؛ فهي لم تأتك بغير حقيقة وصفها. والدنيا من حيث ما يطلق عليها من الذم: هو كلُّ ما شطَّ بك عن الطريق، وتعلَّقت به عن الرفيق، وهذه هي بعينها شهوات الدنيا المعتادة، وأنَّى لك بالخلوص عنها ما دمت مقيماً فيها؟!

ومن مكدِّراتها أيضاً: لوازمها؛ من وجوب زوالها، وسرعة ارتحالها، وقرب انتقالها، فلا تتمتَّع بغير ذلك؛ لأنَّه لا يوجد فيها غيره، وكلُّ ما كان فيها من لذَّة وصفو بطاعة، أو ارتياح بروح وصلة.. فمكدِّره خوف سلبه، وعدم تحقيقه بكلية المقام على التمام؛ لأنَّه يتخلَّف عنه من التحقيق بقدر ما عليك من الأوصاف الطبيعية الترابية.

ولا بدَّ وإن قلَّ ذلك.. فيحسبه؛ إذ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب اللحوق بالرفيق الأعلى، فما ذاك إلا ليستكمل مقام التحقيق؛ وهو الكامل المكمِّل صلى الله عليه وسلم.