محمد صلى الله عليه وسلم شجرة الأصل - سيدي محمود الداموني قدس سره

قال سيدي محمود الداموني في شرحه على صلاة سيدي أحمد البدوي، عند قوله قدس سره: (محمد شجرة الأصل):

فالأصل عبارة عن النور الذاتي، والشجرة عبارة عن النور المحمدي المتكون من النور الذاتي بالتجلي الذاتي. فكنى عن النور المحمدي بالشجرة، وأصل الشجرة هو النور الذاتي، لأن جميع الأعيان الكونية تفرعت عنه، وانسلخت منه كانسلاخ أنواع الشموع الكثيرة من شمعة واحدة. 

والشمعة الواحدة مثال للنور المحمدي، والشموع الكثيرة مثال لجميع الأعيان الكونية، والنور المحمدي منسلخ عن شمعة الأصل الذي هو عبارة عن النور الذاتي، والنور الذاتي قديم الوجود، والنور المحمدي حادث الوجود. وشجرة النور المحمدي تشتمل على أصل حادث عن الأصل القديم، وهو حدوث التجلي لا حدوث المتجلي، والأصل القديم الذي هو عبارة عن النور الذاتي الذي هو عبارة عن جميع الأسماء والصفات، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ}، فهو النور الوجودي المشرق على أعيان الممكنات {مثل نوره كَمِشْكَاة} كوّة غير نافذة، وهو عبارة عن القلب النوري الذي وسع الحق الذي ضاق عن عوالم الأرض والسموات {فِيهَا مِصْبَاحٌ} وهو نور الإيمان الذي هو معدن الهدى والفلاح، {الْمِصْبَاحُ في زُجَاجَةٍ} أعني في جسم نوراني شفاف تلاشت فيه البشرية بالمشاهدة والحضور حتى التحق بعالم النور {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّى يُوقَدُ} أي أشرق نوره على العالم المأثور، {مِن شَجَرَةِ مباركة زيتونة} هي كناية عن شجرة الذات التي تفرعت عنها وظهر من بواطن غيبها بسائر الأسماء والصفات بواسطة شجرة النور المحمدي التي تفرعت عنها وانسلخت منها جميع الموجودات من عوالم الأرض والسموات ، الروحانيات والجسمانيات. وحضرة الذات نورها أشرق من أنوار الأسماء والصفات، بل إشراق أنوار الأسماء والصفات من إشراق نور الذات

{لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّة}، أي لا هي مشرقة ظاهرة من حيث صرافة الذات، ولا هي غاربة باطنها من حيث تجلياتها بالأسماء والصفات في مظاهر الممكنات، ولا هي ظاهرة لأهل الحجب والغفلات، ولا هي باطنة عن أرباب المشاهدات، ولا ميل لها لجهة من الجهات، ولا تنزل لها من حضرة غيبها من حيث ذاتها، وإن تنزلت فمن حيث تجلياتها وظهوراتها من حضرات أسمائها وصفاتها، كالشمس وقت الاستواء لا انحراف لها شرقًا ولا غربًا ولا لجهة من الجهات، فهي مشرقة على عوالم الأرض والسموات، ولا يقال لها شرقية ولا غربية وقت استوائها ومسامتة الرأس، ولا تنزلت من مكانها إلى عوالم الأرض والسموات، وإنما أثر نورها وظهورها هو الذي ينزل وأشرف على عوالم الأرض والسموات.

وهكذا تنزل حضرة الذات بتجليها وإشراقها على جميع الموجودات، {يكاد زيتها} أي: زيت زيتونة حضرة الذات {يضيء} يعني يشرق في قلب المؤمن، {ولو لم تمسسه نار} } المجاهدات بالأعمال الشاقة الممزقة للحجب المانعة عن شهود حضرة الذات، ولكن إذا مست قلب المؤمن نار المجاهدات، فذلك {نور على نور} ، نور مصباح الإيمان ونور مشاهدة لجمال عرائس الذات ، {يهدي الله لنوره} المشار إليه المشرق من زيتونة مباركة كثيرة البركات التي هي كناية عن شجرة الذات، {من يشاء} من أرباب العلوم والمعارف والكمالات، {ويضرب الله الأمثال للناس} تقريبًا لإفهام أهل العقول الجزئيات.