قال سيدي عبد الرحمن العيدروس:
اعلم أن مكاشفات القلوب بذكر لا إله إلا الله، ومكاشفات الأرواح بذكر "الله"، ومكاشفات الأسرار بذكر "هو". و"لا إله إلا الله" مغناطيس القلوب، و"الله" مغناطيس الأرواح، و"هو" مغناطيس الأسرار، والقلب والروح والسر بمنزلة درة في صدفة في حقة ، فالحقة بمنزلة القلب والصدفة بمنزلة الروح والدرة بمنزلة السر، وإن شئت قلت بمنزلة طائر في قفص في البيت، فالبيت بمنزلة القلب والقفص بمنزلة الروح، والطائر بمنزلة السر.
فمهما لم تصل إلى البيت لم تصل إلى القفص، ومهما لم تصل إلى القفص لم تصل إلى الطائر، وكذلك مهما لم تصل إلى القلب لم تصل إلى الروح، ومهما لم تصل إلى الروح لم تصل إلى السر، فإذا وصلت إلى البيت فقد وصلت إلى عالم القلوب، وإذا وصلت إلى عالم القلوب فقد وصلت إلى عالم الملكوت المقابل لعالم الملك الذي هو عالم الشهادة، فإذا وصلت إلى القفص فقد وصلت إلى عالم الأرواح، فإذا وصلت إلى عالم الأرواح فقد وصلت إلى عالم الجبروت، فإذا وصلت إلى الطائر فقد وصلت إلى عالم الأسرار فإذا وصلت إلى عالم الأسرار فقد وصلت إلى حضرة اللاهوت. وهذا التشبيه يفهم أن دائرة السر أصغر الكل، وليس كذلك بل هي أوسع الكل ويليها في الوسع دائرة الروح، ثم دائرة القلب
واعلم أنك متى فنيت عن عالم الشهادة تصبح معايناً لعالم الغيوب الذي هو عالم الملكوت، فتراه بعين بصيرتك، فعالم الملك ما يرى بعين البصر وعالم الملكوت ما يرى بعين البصيرة، وهذا عندهم هو الفناء الأول.
ولا يزال السالك في سيره ملازما على إقباله حتى يقطع هذا العالم؛ لأنه كما أن الوقوف مع عالم الملك حجاب، كذلك الوقوف مع عالم الملكوت حجاب، غير أن الأول حجاب ظلماني، والثاني حجاب نوراني. وأكثر ما يحتاج السالك إلى المشايخ في قطع هذا الحجاب، فإنه عند ظهوره ربما ظن السالك أنه وصل إلى المقصود فيسكن إليه فينحجب به وينقطع.
فإذا جاوز عالم الملكوت دخل في عالم الجبروت، وهذا العالم غيب بالنسبة إلى عالم الملكوت، فيصير عالم الملكوت له غيبًا، وعالم الجبروت له شهادة، وهذا مبدأ الفناء الثاني.
ولا يزال مستمرا على سلوكه، ملازمًا على إقباله حتى يدخل حضرة اللاهوت، وهذا هو كمال الفناء، ويسمى فناء الفناء، فيفنى عن الخلق ويفنى عن فنائه، وهذا هو منتهى فناء سير السالكين، وهو الفناء المحض. ومن هنا يرجع إلى عالم البقاء المعبر عنه أيضًا بالفرق الثاني، وبالصحو بعد المحو، ويعبر عنه أيضًا بانصداع الجمع، وبالفرق بعد الجمع بظهور الكثرة في الوحدة واعتبارها فيها، ويعبر عنه أيضًا بمحو المحو، وبشهود الوحدة في الكثرة والكثرة في الواحدة، فيحصل له شهود التفرقة في عين الجمع بحيث لا يكون أحدهما حجابًا عن الآخر.
فصاحب هذا المقام لا يحجبه الحق عن الخلق ، ولا الخلق عن الحق ، بل شهد الحق في الخلق والخلق في الحق فيعطي كل ذي حق حقه. وأما من شهد الظاهر فقط، فإنه فني به عن المظهر فلم يشهده، وهـذا هـو صاحب الجمع والاستهلاك والاضمحلال في الذات البحت والفناء، وهو صاحب السير من الخلق إلى الحق، وهذه المنزلة هي المعبر عنها بالولاية، وكذا من شهد المظهر فقط ، فإنه فني عن الظاهر، فلم يشهده وهو صاحب الفرق الأول أو مقام الحجاب.