من لا ورد له لا وارد له - الشيخ شرف الدين البلاسي

قال الشيخ حسن بن حمزة الشيرازي المعروف باسم شرف الدين البلاسي قدس سره:

جلستُ على نية الخلوة فارغاً من المطعم والمشرب مجموع الهم متوجهاً إلى الحق تعالى، ذاكراً له باسمه الأعظم، وهو الله، لأنه دليل الذات الجامعة للصفات الإلهية كلها، حتى لا يشذُّ منها شيء، وسائر الأسماء لا تدلُّ آحادها إلا على آحاد المعاني، وهو أخصُّ أسمائه تعالى، إذ لا يُطلِقُه أحدٌ على غيره تعالى لا حقيقةً ولا مجازاً، ولهذا توصف سائر الأسماء بأنها اسم الله وتُعرف بالإضافة إليه، لكونه أدل على كنه المعاني الإلهية وأخص بها، وهو أشهر وأظهر، فاستغنى عن التعريف بغيره، وعُرِفَ غيره بالإضافة إليه.

وكنت مستغرق القلب والهمة به لا أرى غيره ولا ألتفت إلى سواه، ولا أرجو ولا أخافُ إلا إياه، إذ هو الموجود الحقيقي الحقُّ وكلُّ ما سواه فان وهالك وباطل إلا به تعالى، وكنت أرى نفسي أوَّل هالك باطل، كما شهده رسولُ الله وصدق من شهد ذلك، فقال: "أشعر بيت قالته العرب كلمة لبيد : ألا كلُّ شيء ما خلا الله باطل".

فبينما أنا ذاكر متألّه في الذكر، منتظر ما يرد عليَّ من خزائن جوده وأنوار وجوده وأسرار شهوده، إذ هَتَفَ بي هاتف وهو يقول: يا مسكين هو القريب منك وأنت البعيد عنه، هو القريب منك بالعينيَّة وأنت البعيد عنه بوهمية الغيرية، إنما تطور فيك لتكمل به لا لتحتجب بوهميَّةِ التعدُّد لديك عن إدراك حقيقة التوحيد فيك. لا يحمل أثقال التكليف إلا أساس الأنانية. لا يحجبك عن إدراك كمال الوجود فيك إلا استيلاء سلطان الغيرية عليك. لولا ظهورك في الحجاب لما ظهر الحجاب، فحجابه عند العارف به كنز يُطلَبُ عنده. فسبحان من ظهر بذاته فأُدرك على تنوع صفاته، إذ بظهور نور الذات وُجِدَتْ الأسماء والصفات. لو تحققت ذاتك لما عدلت عنها طلباً للخارج. كُن معه كالمعدوم يُحققك به. من تمسك بعروة التوحيد ماشياً على قانون التحقيق اتَّسَعَ عليه المجال ولم يعزّه المقال.

ما دمت تطلب الوصول إليه فأنت محجوب عنه بتوهم الانفصال منه. بقاؤك بك عين فنائك، وفناؤك به عين بقائك. حُجِبْتَ بصورته عن إدراك حقيقته، لولا وقوفك عند حدودك لما تخلفت عن شهودك. تحقق جوهرك وأَنْعِم فيه نظرك، ودع أوَّلَك وآخرك ، فبأوّلك الوهميّ تُقَصِّرُ عن شهودك، وبوقوفك مع آخرِك تقع في حصر وجودك. إن اعترضَكَ عارِضُ الشك فاطلبه فيه، فكل ما يقطعُكَ عنه فهو منه. لا يغرك تعرّفه فهو الباطن ولا يؤيسك تنكَّرُه فهو الظاهرُ، والحقُّ ورائهما وهما له مظاهر. فسبحان من ظهر في ذات الحجاب عند العارف به واحتجب فيما به ظَهَرَ عن المحجوب عنه. انتهى الوارد الرباني