قال سيدي سعد الدين الحموي قدس سره:
اعلم أن الله تعالى لما رش على الخلق من نوره، بحكمة يدي القدرة وأصابع الرحمن، ليتبين لكل مظهر بالنور جوهر الإضافة الإلهية المشار إليها بحرف الهاء في قوله عليه الصلاة والسلام: "إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن لم يصبه ضل وغوى". فأصل الهدى في الخلق من جوهر الإضافة، وهو أعظم وأكبر من النور، ولما رش من نوره توزعت أجزاء النور على الخلق على مائة جزء، أظهر الله من جزء منها تسعة وتسعين اسماً وهي أسماؤه الحسنى، وسبعة أحرف هي التي أنزل عليها القرآن، ونفسين إحداهما ظاهرة والأخرى باطنة، أظهر على الظاهرة النبوة والرسالة والولاية، وتوزعت أجزاء النفس الباطنة على أجزاء النور في حجاب الظلمة التي خلق الله الخلق فيها وتقسمت على الآحاد، بمثابة الجداول بالنسبة إلى البحر، وصار كل نفس في كل جسد أجزاء ذات استقلال بعلم ودراية وفعل وإرادة وتدبير، وصارت الظلمة أيضاً مقسومة على النفوس.
وحكم الله تعالى أن كل نفس محكمة الارتباط بأجزاء قالبها، متحصنة به عن الامتزاج بنفس أخرى، وجعل الله تعالى أجزاء الظلمة ممتزجة ببعضها البعض لتنجلي، فظلمة صاحب العناية بالنسبة إلى ما دونه نور، ووجدان نور الله يكون بعد انجلاء الظلمة، والله يهدي من يشاء إلى نوره، ويكون ذلك بجمع أجزاء النور في الخلق، وأجزاء النفس، وأجزاء الظلمة التي صورتها القرين، وأعوان النور سر النبوة والرسالة والولاية، فبعث الله الرسل واستخلف من بعدهم الأولياء إلى الخلق ليخرجوهم من ظلمات نفوسهم إلى نور الله، ويردوهم إلى الله مولاهم الحق، فمن سمع الدعاء وأجاب النداء ورجع إلى الله تعالى جمع له الله تعالى بقدر إجابته ورجوعه إليه أجزاء نوره وأجزاء نفسه، وصرف عنه ظلمته بقدر انجماع أجزاء نوره.
وعند تخليص الأجزاء يفتح للعبد المؤمن باب الله تعالى، وهو حقيقة البدء والإعادة والبعث، لأن الله إذ بدأ العبد وأعاده وبعثه فتح بابه إليه وعبّره على الدنيا والعقبى والآخرة، فصح رجوعه إليه، ورجوعه هو عن نفسه وخلقه بحيث يصح له اسم العبد والإضافة إليه تعالى، ومثل هذا العبد حاضر مع الحق غير غائب عنه، وغائب عن الخلق غير حاصة مع الخلق سوى الله تعالى في نفسه لنفسه بالكلام والنظر، فهو الذي جعله الله تعالى محل قيامه ونزوله ومجيئه واستوائه، وفي الحقيق قالب نوره هو الأولية والآخرية والظاهرية والباطنية، وهذا القالب بالنسبة إلى الفيض الكلي والبسط الحقيقي ظلمة، وهذه الظلمة هي الظل الساكن {وله ما سكن} فافهم.