العاشقون أهل كمال القرب -سيدي سلطان ولد

قال سيدي سلطان ولد، بن مولانا جلال الدين الرومي، قدس سرهما، في كتاب رباب نامه:

اعلم أن حياة العاشقين في الفناء،
وأن عبودية العاشقين مُلك وسلطان

العشق عكسَ العقل،
فميلُ ذاك دائمًا إلى غير ما يميل إليه هذا

العقل يعلو بالافتخار،
أما العشق، فعلى العكس منه، فخرُه العار

يسعى العقل في إعمار الاسم والصيت،
أما العشق فعلى العكس: مرادُه الخراب

يرتجف العقل خوفًا على وجوده وصحته،
أما العشق فتأتيه الراحة من محنته

فاعلم أن حاصل الأمر هو أن كل ما أراده العقل،
فهو عند العشق كلُّه عناءٌ ونقصان

وكل ما كان عند العاقل حسنًا مختارًا،
كان عند العاشق دنيئًا حقيرًا

العقل ضدُّ العشق، فاعلم ذلك جيدًا
فكيف يكون العاقل محبًّا للعاشقين؟

بل هو من صميم روحه منكرٌ لأمرهم،
لأنهما ضدّان وعدوّان بلا شك

العاشق يقول: ما دام ذلك خيال المعشوق يملأ عيني،
وما دام اسمه على لساني بلا ملل،

وفكرُه وذكرُه في قلبي المشتعل،
فعلى من أفخر، وأي حال أصلح؟

وما دمتُ لا أكون في حال من الأحوال بغيره،
فممّن أطلب الوصال، وممّن ألتمسه؟

لست منفصلًا عنه، كما لا ينفصل الجسد عن الروح
فلأحسب نفسي عدما في وجوده، ولأتحرر من هذا وذاك

وقولُ العاشق يجعل الرجل عاشقًا،
ولو كان جبلًا لاقتلعَه كالتبن

وكلام العاقل كذلك يجعل المرءَ عاقلًا،
وكلام الجاهل يجعله أحمق غافلًا

وكلام الزاهدين يجعل المرءَ زاهدًا،
ويجعل الشخص عابدًا مثلهم

فاختر إذن في العالم صاحبًا
يكون أفضل من أهل هذه الأرض،

لا تطلب في العالم غير العاشق،
حتى تطير بسببه إلى السماء السابعة

فهو خير الخليقة
وأنّى للزاهد أن يكون مثله في القرب؟

الزاهدون يقطعون الوادي بأقدامهم،
والعاشقون يطيرون بالأجنحة النورانية

وما يناله الزاهد من الحق في قرون،
ينال العاشق في نَفَسٍ واحد أكثر منه

ولما أزال عشقُ مجنون الاثنينيّة،
سكر من الوحدة، واكتسب من تلك الخمر بهاءً

فصار كالمجنون عينَ ليلى، وإن كان في الأصل ليس غيرَها
وقد كان يتكلم مع نفسه، ويسمع من نفسه

وكانت قد سرت فيه كما تسري الروح في شحمه ولحمه،
وكان دائمًا مضطربًا من خمر العشق

فلما بلغ من العشق تلك الحال،
صار فردًا، وإن كان في البداية زوجًا

وصار الاثنان واحدًا بإكسير الفناء،
حتى لم يعد يرى ليلى منفصلةً عن نفسه