العشق باب الوصال - سيدي يحيى الشرواني الخلوتي

قال الشيخ يحيى الشرواني الخلوتي (مترجم عن الفارسية):

الوادي الثاني الذي يمر به السالك هو العشق، به يخلص من الكلام المتحجر.

ومنْه تَظهر نارٌ في الروح،ومن لهيب تلك النار ينتشر العشق فيك كلك.

هذه النار هي الدليل والمرشد معًا، وهي رفيقة الحياة إلى الأبد.

من سقط قلبه في هذه النار، أحرقته طهرًا وأتمّت عملها.

عشقُ الحق نارٌ في الروح والقلب، تُعزّ حينًا وتُذلّ حينًا.

تارةً تُطلقك في بحر وحدة ذاتها، وحين تضيعك في غوغاء كثرة تجلياتها.

تارةً تفنيك بقهرها،ثم تعود فتبقيك لنفسك بلطفها.

العشق صفة الذات، ولذا فكل ما يراه العوام قبيحًا، يبدو في عين الكامل جميلًا جدًّا.

إذ ليس له وجود، فلا يرى من الأغيار إلا الأسامي، كؤوساً يشرب بها خمر الوحدة.

يسقي دائمًا من كأس الوحدة، وبذلك تُغذّى الروح دائمًا.

كأس الوحدة تؤثّر فيه حتى تجعله كأنّه واقفٌ على أسرار كن

تارةً يعرف العوالم حقّ المعرفة، يتغافل عنها في غيب الهوية.

كل ذرة منه تصرخ لأجل وجه الحبيب:"الله، الله! الكلّ منه! فلمَ الخصام؟"

كل من رفع، بالعشق، وجوده من البين، أظهر الحق له جماله عيانًا.

ينظر الحبيب إلى الحبيب بعين الحبيب، إذ حين يسقط القشر يبقى الجوهر.

للعوام يبدو الوعد مؤجّلًا إلى الغد، أمّا العشّاق فيرون وجه الحبيب على الدوام.

روح العاشق مرآة للحبيب، وما أطيب المرآة لرؤية النفس.

قد صُبغت روحه كلّها بلون العشق، فلا سَعةَ الجنّةٍ ولا ضيقَ نارٍ يبقيان

يا بنيّ، العاشق من بذل روحه، ومن بذل الروح نظر إلى وجه المحبوب.

لذّة العشق تستولي على الروح، ولا يبقى في القلب متّسع لغيره.

إذا دخلت الشمس في بيت القلب، لم يظهر ظلّ هناك أبدًا

فالظلّ لا يظهر إلا من الاثنينية، فإذا جاءت الوحدة لم يبق ظلّ

إن كُشف لك سرّ العشق هذا، فني الوجود كلّه تحت حدّ العشق

إن وجدت مفتاح سرّ الحبيب، صار كل عسير عليك يسيرًا

إن كنت طائر بحر العشق، فكل صرخة تخرج منك فهي منه

من سقط في هذا البحر الخطر، ترك الوجود وصار فقيرًا

تجرّد من صفاته فحصل على الحياة، ونال النجاة الكلّية من الغيريّة.

نال الحياة من حياة الحق، ومرّ إلى الحق فيصير مريد القلب.

صار في عين جزئيّته الكون بأسره ، وبالعشق تقدّم في كل شأن.

بعشق الحبيب يراه في كل ذرّة، ويجد في كل شيء هو هو.

ينحني حتى أمام نملة ضعيفة، لأن لها أيضًا تجلّيًا من اللطيف.

إن أردت أن يسهل أمرك، فكن ترابًا في العشق — هذا ربحك

كالأبطال قدم روحك بالكلية، حتى يمحوك وجود العشق

الفقر والعدم ثمرة عشقه، بع وجودك واشترِ العدم بالعدم

إذا ذقت لذّة العدم، صرتَ الهادي والدليل معًا.