حيد نفسك ما تجد إلا الله - سيدي محمد عارف الزيني

قال الشيخ محمد عارف الزيني، مترجم من التركية: 

أقبل، أيها المقيد بحجاب الغفلة، الغارق في سُباتها
وافتح عين قلبك، وافهم شرفك، لا تبق في غواشي جهالتك

لقد نزل في شأنك قوله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾
وكذلك نزل في حقك قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ﴾

وعُلِّم آدم جميع الأسماء الإلهية؛
وفي الحقيقة فإن جميع الحقائق منطوية في ذاته

فقال الحق: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
ثم رُدَّ إلى أسفل سافلين ليشهد تلك المرتبة أيضًا

فلا تظن أن الإنسان مطرود من الحق على الحقيقة
فإن هذا السير يشمل جميع المراتب، ظاهرها وباطنها

ولما كان جامعًا لجميع الأسماء الإلهية ولكل كمال،
صار مؤتمنًا على كل سر، وحاملًا للأمانة الإلهية

فلا تظن أن المقصود مجرد الذل والانكسار الظاهر
بل أمِت وجودك، وكن عارفًا لا يرى سوى الحق

إن عرفت سرَّ قول: "من عرف نفسه" بلغت وصال "فقد عرف ربه"
وإذا انكشف كل سر مستور، حصلت لك المعرفة الحقة

ووجدت طيور القدس ترغب في صحبتك
فلا تقع في سبات الهوى، ولا تَمِل إلى فخِّ هذه النفس الدنية

لا تُعلِّق قلبك بزينة هذا الملك الفاني وصوره؛
وارتحل إلى المحبوب الباقي وإلى ملكه الأبدي

ارفع رأسك من هذا التراب، واقرأ سجلَّ وجودك
فإن الميزان، والصراط، ونفخة إسرافيل كلها فيك على الحقيقة

يمضي عمرك، وكل نَفَسٍ ينقص منه
فلماذا لا تسعى لاكتساب الحياة الباقية؟

ما لم تصل إليك، بقيت معذَّبًا في نار الفراق
وطالما أنت حبيس نفسك، كيف تحصل على إطلاق سر نفسك؟

إن طهَّرت قلبك من خواطر ما سوى الله،
تجلّى لك النور الإلهي، وصرت قابلاً لكل فيض

أفنِ وجودك الفاني، تنل دولة البقاء
فما يحجبك عن شهود الحق إلا وجودك الوهمي

تدخل بحر الطريق الرباني العجيب
ولو سرت فيه مئة ألف سنة فلن تبلغ له ساحلًا

كن ثابتًا في الفناء في الله، وداوم على المشاهدة
فإن لم تُقِم في مقام تجلي الذات ستبقى من أهل الزوال

إذا تحققت، لم يعد الغريب يحجب بصرك
فتكون من أهل المشاهدة، ويصير كل نَفَسٍ وصالًا

إن جميع أسرار العالمين، وما فيها من حكم الأشياء،
مرتبة بحيث لا يبقى في الوجود ذرة واحدة باطلة أو عبثًا

تسجد الملائكة لمن يبلغ مقام قاب قوسين أو أدنى؛
وبالفناء في الله يبقى في معراج القرب، حيث لا اعتبار لقرب وبعد

هذا العلم لا يمكن أن يحيط به اللسان بيانًا؛
ولو كان المرء أعلم العلماء وأفضل الفضلاء

فإن صرت عالمًا بعلم الحقيقة، مستحقًا لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا﴾،
كُتب اسمك في ديوان الشهود: "العارف الكامل"