نصائح سلوكية ومناجاة ربانية - الشيخ حسين الخوارزمي

قاقال حسين الخوارزمي الكبروي: 
يا قلب، تنحَّ عن دار الوحشة، دار الدنيا، وافتح جناحي الهمّة وطر إلى أوج اللّا مكان. 
إن قباء روحك مطرّز بالبقاء، فانفض عن ذيل عزيمتك غبار العالم الفاني. 
اطوِ بساط التراب، فإن طائر همّتك إذا عرج كان العرش دون عشه
فكحل عين قلبك بتراب الفقر، وإلا كيف تنجو سفينة عمرك من هذا الغرق 
ما دام هوى النفس ريحها والشهوة شراعها؟
إذا نشرت عنقاء همّتك جناحي الكبرياء صارت السماوات السبع أقل من بيضة أمامها 
إلى متى تنظر إلى قرص القمر والشمس؟ تجاوز هذا واترك الدون لأهله
 لا تلطّخ يدك برداء الأغيار إن أردت أن تكون ضيفًا على مائدة «أبيتُ عند ربي»
وإذا أضرمت نار القلب في سجن الكثرة وجدت بسُلَّم التوفيق درجًا إلى فضاء الوحدة
اجعل غبار العبودية طراز كمّك، وكن ترابا لعتبة باب القرب
 اترك الصوت واللون واصحب السرّ المنزه عن اللون، المطلق عن التلونات
صحراء الدنيا مملوءة بالغيلان وأنت في نوم الغفلة، فكيف تطمع في الأمان؟
الكعبة بعيدة وأنت نائم، فانهض واربط محملك فقد تحرك الركب
 القافلة مضت وأنت لا تسمع النداء لأن سمع روحك مثقل بالغفلة
انثر مالك ورأسك في سبيل الفقر، وابذل روحك، فإن هذا المتاع النفيس لا يُنال مجانًا
 لا يُعرف الرجل بالقول والفعل الظاهرين ولا بالرداء والعمامة، بل بالمعنى
اطرح لباس الدعوى واطلب الفناء عن نفسك، لتجد علامة الوصل
إن تمسكت بالهوية كنت في عز الحضرة، وإن صاحبت الهوى نالك ذلّ الهوان 
لن تبلغ «إلا» ما لم تركب «لا»، ولن تصل إلى العلو ما لم تخرج من نفسك
لو عرفت سرّ الفناء والبقاء ما حزنت لفناءٍ ولا فرحت ببقاء؛ 
إذ الحزن على الفناء فرع الغفلة، والفرح بالبقاء أثر الوهم
انظر إلى الإسكندر وقصر عمره مع ملكٍ عظيم، 
وانظر إلى الخضر كيف نال حياةً خالدة مع فقرٍ ظاهر
يا من تقف على مرصاد الأرواح، يا من لا تخفى عليك السرائر، 
خلّص أرواحنا من رصد الحوادث، ونجِّ قلوبنا من أسر التقلبات
لقد حبسني فكر، فحررني من هذا الأسر، وأطلق روحي من قيد هذا الهمّ
أيها الملك الكريم، امنحني جذبةً من جذبات لطفك، 
ثم أخرجني من عار الوجود إلى شرف الفناء في حضرتك
فإن الوجود إذا لم يكن بك كان عارًا، وإن كان بك صار نورًا
اجعلني ممن باع نفسه واشترى رضاك، وممن ترك الكثرة فذاق الوحدة، 
وممن خلع لباس الدعوى ولبس ثوب العبودية
اجعلني ممن إذا فني عن نفسه بقي بك، وإذا غاب عن الخلق حضر معك
اللهم إن لم يكن لي منك إلا أنت فحسبُ،
 وإن لم يكن لي في الوجود إلا وجهك فهو الغاية والمنتهى 
ارزقني الفقر إليك، والغنى بك، واليقين فيك، 
حتى لا أرى في الوجود سواك، ولا أطلب في المقام غير رضاك