إشارات العارفين - الوقت - سيدي عبد الرحمن الإسفرايني قدس سره

قال سيدي عبد الرحمن الإسفرايني الكبروي في رسالة إلى علاء الدولة السمناني عن الوقت: 

يا بُنيّ، في ذلك الوقت الذي لم يكن فيه الوقت ـ في وجود وقتِه ـ وقتًا، وكان سلطانُ الوقتِ سكرانَ في فنائه من شرابٍ صافٍ أزليٍّ لا يزول، رأيت نفسَه في الفناء عن النفس، وفناء الفناء، فاقدًا لنفسي. وكان الوقت مع صاحب الوقت بلا وقت، وصاحبُ الوقت في وقته الخارج عن الوقت، وكنت غائبًا عن نفسي، فأظهر وجهه من جيب العدم بوجوده، وكنتُ أنا بلا «أنا» معه في هُوِيَّته، مستورًا عن أنانيّة نفسي، في دار الله، في بيت الوحدة. وفي سُكر وجوده كنتُ عدمًا، وكان هو يرى ـ من مقام الذات ـ عدمَ وجودي في الصفات، وكان في الذات يرسم نقش العدم على وجود عدمي. تارةً كنتُ في وجود الصفات بوجود العدم، وتارةً كنتُ في وحدة الذات بعدم الوجود. وقوله: «كان الله ولم يكن معه شيء» جاء مفسِّرًا لهذه الحقيقة.

يا ابن الوقت، إن للوقت حكمَ الجمع، فهو يستغرق الماضي والمستقبل. وكلما كان سيف الوقت أمضى، كان تجردُه أكمل. فإذا كَمُل في التجرد وضع قدمه في عالم جمع الجمع. وهناك يُمحى الماضي والمستقبل، فلا يبقى للأمس والغد اسمٌ ولا رسم. وقولهم: «عند الله لا صباح ولا مساء» يظهر عيانًا. واعلم أن الأرض والسماء، والعرش والكرسي، في سعة الوقت كحبّة خردل. بل إن حبّة الخردل بالنسبة إلى المشرق والمغرب لها وجود، أما بالنسبة إلى سعة الوقت فإن وجود السماء والأرض والعرش والكرسي يصير مساويًا للعدم. 

ولا يبقى هناك قربٌ ولا بُعد؛ فيصير القرب قربَ البعد، والبعدُ بعدَ القرب. ويتلاشى حزن الأمس، وسرور اليوم، وخوف الغد في طيّ الوقت. والأزل والأبد، واليوم والغد، إنما هي مجازات عند المقابلة. وقد أظهرت هذه المجازات جهة الاثنينية على سبيل التفهيم. فإذا فُقدت اثنينية الأزل والأبد في عين الحضور، أشرق سرُّ الوحدة بصفة القهّارية، فتصير المعدومات موجودة، والموجودات معدومة، ويُعزل الجميع عن الوجود والعدم.

 

فالوجودُ الذي تكون الموجودات به معدومة، والمعدومات به موجودة، يُطلق نداء: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ﴾ في عالم القهّارية. ولما لم يبقَ في عالم الاستحالة مجالٌ لجولان النطق في موضع الجواب، أجاب بنفسه لنفسه بنفسه: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾. ويصير الأزل والأبد في سكّة الوقت بصورة الوحدة، ويُظهر لك علمُ المعارف الأزلَ والأبدَ من جهة الأحدية، ويحجب الأولية والآخرية في صفاء الواحدية. وكل هذا حديثُ «اليوم» عندك. وغدًا سترى بعينك ما يُظهره لك اليومُ في معارفك. «لو كشف الغطاء ما ازددت يقينًا». وقولهم: «لي مع الله وقت» إنما قيل في شأن الوقت. فحرف «لي» صدر في مقابلة قوله: ﴿إِذْ رَمَيْتَ﴾، وقد محوا الكدورة الثنائية من الجانبين؛ أحدهما بقوله: ﴿وَلَٰكِنَّ اللَّهَ﴾، والثاني بنفي قوله: «ولا نبيّ مرسل».

يا بُنيّ، تجاوزْ وجودَك؛ وصِرْ عدمًا، ولا تنظر إلى العدم، حتى يصير العدم وجودًا، وفي كل لحظة تسافر ـ خارجًا من نفسك حتى يصير أهلُ الوجود عدمًا، وأهلُ العدم وجودًا؛ فترى أنّهم جالسون سكارى على باب وجوده داخل عدمهم، يحيَون في العدم، ويطلبون في العدم الوجودَ؛ إذ إن أهل العالم معدومون في وجوده.

يا بُنيّ، اغرق أولًا في بحر العدم عن وجود الصفات، واختر مَلَكيّة العدم؛ ثم ارضَ في وجود العدم إلى حدٍّ ترى فيه صفات الحق ـ التي هي رأس مال القبول وثمرة الطلب. 

يا بُنيّ، بعد غُسل ماء العدم لا يبقى محتاجًا إلى الماء. إن أردتَ الغُسل فاغتسل بالعدم أولًا! فالمغتسل به لا يحتاج إلى شيء. نورُ المعرفة الإلهية قد أخرجك من نفسك، وفي ذلك النور صرتَ مناديًا بنداء العدم. والآن، إذ صرتَ ثمرةً ناضجة، ورضيتَ بالوجود، فاعلم أن تلك الصفات التي وُصفت بها ـ من الوجود والعدم ـ قد صارت عدمًا في العدم، حتى إن العدم أيضًا لم يعد عدمًا. وجئتَ من عدم الوجود إلى وجود العدم، وصرتَ قائمًا به، إذ كان وجوده فيك، وصرتَ في ذاته بلا قيد النفس.

بيت

ما دمتَ مع «أنت»، فلستَ موجودًا؛ فإذا فنيتَ، كنتَ موجودًا.
قلتَ: «لقد كسرتُ صنمًا»؛ أمّا ذلك الصنم فكان صنمَ كسرِك أنت.