قال سيدي أبو بكر البناني:
إخلاص النية الله تبارك وتعالى مطلوب إذ هو شرع لجميع الموجودات حسبما يقتضيه وصف قِدَمه وافتقار المحدثات إليه. قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ}. فالإخلاص مأمور به وخدع النفس وغرورها ودسائسها وشهواتها الخفية تخرّب مباني الإخلاص المأمور به، فصار علم ذلك فرضاً من حيث كان الإخلاص فرضاً، فما لا يصل العبد إلى الفرض إلا به صار فرضاً، فبان لك أن الإخلاص شرع لنا ولمن قبلنا. والإخلاص في النية التي فسرناها بمعنى الإخلاص هو المعبر عنه بالصدق في الإخلاص، وهي رتبة الخواص وهو مطلب الأكابر من الأنبياء والرسل وجميع أهل المعرفة بمقتضى سرّ الربوبية من ظاهر العبودية، فإذا وُجد روح العمل صح أن يكون قربةً، وإذا فقد استوى مصدق الطاعة ومصدق المخالفة في زيادة العبد.
والإخلاص هو الدخول في مقام التفريد والجلوس على بساط التجريد والتلبس بحال التوحيد، وهذا شيء يُفَهّمه أرباب القلوب المباشرين لعلل النفوس، وقد ورد في الخبر أنه سر من أسرار الله، وقد علمت أن السر لغة هو ما يكتم. فالإخلاص مكتوم عن العبارة مستور عن أن تلحقه الإشارة لكنه له علامات تدل عليه وهي ثلاث: استواء المدح والذم من العامة، ونسيان رؤية الأعمال في الأعمال، وعدم اقتضاء ثواب في الآخرة.
وهذا لا يحصل إلا لعبد تولاه الحق بأنوار الجذبة الربانية ففنى عن نفسه وبقي بربــه مروّح بروح القربة والاصطفاء، فكان بالله في جميع أحواله ومن كان بالله كان الله. وأما ما دامت النفوس إلا والهوى فيها مدسوس وليس للتحقق إليه سبيلاً، إذ هو موقوف على فناء الصفة البشرية، وقد علمت أن للنفس من النقائص مثل ما الله من الكمالات وكمالات الحق لا نهاية لها، كذلك أوصاف البشرية لا نهاية لها.
لكن الحق إذا أراد أن يصير عبده من المخلصين - بفتح اللام - غطى وصفه بوصفه ونعته بنعته ، فكان العبد بالله الله. ولو لوحظ الإخلاص بهذا الاعتبار لانقطع الكلام عن الرائي والمرئي وخرست الألسن عن الكلام.
ولما كان مدار الإخلاص على الفناء والبقاء استعظمه أهل الله وقالوا إنه أعز شيء في الأرض ومهما اجتهد الإنسان في تحصيله إلا نبت الرياء من جهة أخرى لبقاء الأصل الممد للرياء وهو النفس، فما دامت لها بقية إلا وصاحبها في مهاوي الخسارة والرزية ولهذا أمرنا الحق بمجاهدتها حتى يكون الدين كله الله أي حتى نعبده سبحانه به بنعت الإفراد والتخلي عن شهود الأغيار من الأضداد والأنداد وقد أخبرنا سبحانه أنه لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه بأن كان خالصاً من شوائب.