الحب براق المريد إلى المراد - سيدي محمد البكري

قال سيدي شمس الدين أبو المكارم محمد البكري:

عليك بالحب، فهو معراج الأرواح ومقلاد الفلاح، بأن تسلط على فكرك استشعار أوصاف الحق، وما عاملك به من لطف، وما فاتحك من العطف، لتلمح جماله المقيد بالرتب، عسى أن يكون ذلك سبيلاً لمشاهدة جماله المطلق عن النسب. واعلم بأن خدمة الحق بالأعمال على بساط المراقبة في جميع الأحوال، ومراعاة الشريعة في الأقوال والأفعال، تثمر إشراق السريرة، وإضاءة البصيرة، وامتداد أشعة الفكر من مركز السر إلى فضاء صفا الفهم عن الله والتلقي من الله.

وأن خدمته سبحانه بترك الشهوات، ومعاداة العادات، وتمزيق أغشية الأغراض، وتصفية جوهر الروح عن الأعراض تثمر ترادف تجلياته، وتواصل تعيناته، وإسفار شمس الأحدية في فلك القلب، وإطلاق لسان الروح بالأدب في مناجاة الرب، وانفتاح أصمخة الأفئدة لسماع الخطاب، ومجالسة الغني العزيز الوتر القدوس حيث لا ستر ولا حجاب، على معنىً يدريه القلب ويعجز عنه اللسان.

وحينئذ يترشح العبد للخلافة عن الحق سبحانه على كافة الأكوان، ويجد في إحاطته طوائف أهل الملك والملكوت في الظهور والبطنان، ويحمل ودائع الأزل لكل من سبقت له العناية من أهل عالم الإمكان.

والسر الساري في حقائق جميع الأعمال والأحوال والمقامات هو سلطان الحب الذي ما انتهى إلى مملكة وصل وقرب إلا وشرع في المسير بحب جديد في سبيل حميد، وإذ لم يحتجب بمنزلة عن منزله فسيره مستمر حتى في الجنة، غير أنه في الدنيا على مطايا المجاهدة ثم المشاهدة، ثم المجاهدة ثم المشاهدة، وهكذا تنقسم أطوار مسيره. ولا تنقطع المجاهدة ولا عن الصديقين، غير أنهم لا يجدون في ما ينازلون حرجاً البتة من جهة نفوسهم، فإنها أخبتت لله واستكانت وآنست به سبحانه وطابت. وهذا معنى قول بعضهم: "يصل الأولياء إلى مقام يرتفع عنهم معه التكليف" أي وجدان كلفة على النحو الذي قررناه.

أما المسير في الجنة فهو من مشاهدة لمشاهدة، فتبرق أنوار في الأولى تهديه إلى الأولى فالأولى، والسير هناك على مطية اللذة بالشهود المتجدد بالتجلي من سبحات المشهود، وهكذا، وفوق كل ذي علم عليم.

ولتعلم أرشدك الله في مسلك العناية أن القصد كله أن تعدم آثار بشريتك وتطمس أعلام أنانيتك وتخرب منازل عاداتك، وعند المحو من ألواح النسب الوجودية بالغرق في الأنوار الشهودية، كل شيء كنت فيه غائباً في الحق عن ذلك الشيء، فليست لك إفاقة تثبته أو تنفيه، فشانك والحال ما ذكر سر الوية الحاكمة القاهرة الغالبة على الأوصاف الكونية فافهم.