قال سيدي أبو بكر البناني قدس سره:
لو أن الله أزال الحجاب عن عين بصيرتك، حتى تخلص لله أعمالك وتصحح أحوالك، فتعرف أن حقيقة ما تنكره هي حقيقة ما تقرّه، وأن جنس الحركة واحد: حقيقة الفعل هي حقيقة الترك، والتباين اعتباري وأمر نسبي جيء به إقامة للحكمة وأدباً مع أسرار القدرة، فإذا صادمتك الصدمات القهرية الفائضة من عنصر التجليات الجلالية وأحرقت أستار وهمك الحائطة برسم وجودك، وذقت أسرار موتتك وحشرت من قبر شريعتك ونشرت في عالم حقيقتك وصرت أنت بلا أنت أي لا أنت أنت ولا أنت غير أنت، عند ذلك تعلم سرك وتتحقق بحقيقتك وتعلم أن جميع أحوالك حركة وسكوناً كلها سبيل موصل إلى التحقق بحقيقة الحقائق وأنه لا فرق بين المقرور والمنكور إلا ما يعطيه قيام الموازين الإلهية.
فلا فرق يا أخي عند من أخلص وتخصص بين الأمور العلوية والسفلية سواء مال إلى التقشف أو إلى الرفاهية فإنه لا أثر للأحوال فيه، وإنما الأحوال به تسمو ومنه تستمد. فهؤلاء شرفهم وفضلهم ذاتي، وما كان بالذات لا يتخلف ولذلك إذا صدرت هفوة من غير المعصوم وكان محفوظاً في خزائن العناية الربانية فإنها تزيده ترقياً إلى حضرة الله لأن العارف يعامل الوقت بما يفهم عن الله إما فعلاً وإما تركاً حتى يزعم من جهله لما رأى أحوالهم تشاكل حاله وسيرتهم في أحوال البشرية تشاكل صورته ، فظن أن الخصوصية لا تكون إلا على شكل مخصوص معقول عند المنكر.
وما علم أن هذا الوصف هو الذي أوجب الكفر لقوم حجبوا عن أسرار النبوة بوصف البشرية حتى قالوا: {مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا} لما عاينوا من المشاكلة في الحال، فنعوذ بالله من الخذلان وسوء المنقلب بوصف الحرمان.
وقد تحقق عند كامل العلم أن العارف بالله هو الذي كَمُلَ ظاهره بباطنه وباطنه بظاهره ولو حجب بأحدهما عن الآخر ما كان عارفاً، وهذه الحالة غرق في بحرها جميع الوجود وجعلوا من المحال أن يجمع الإنسان بين ظاهره وباطنه لأنهم لا يقرون إلا حالة واحدة وينفون ما سواها. وقد قال عارف: لو دارت ألسنة العارفين مع الناس كما تدور قلوبهم مع الله لقالوا فيهم مجانين . وقال الجنيد : منذ كذا وكذا وأنا أكلّم الحق وأناجيه والناس يتوهمون أني أكلمهم وأناجيهم . وسئل أبو يزيد عن العارف فقال : أن تراه يواكلك ويشاربك ويبايعك ويشاريك وقلبه في الملكوت، فالعارف الكامل الجامع بين السكر والصحو وبين الفناء والبقاء له كمال القوة في ظاهره وباطنه بحيث يتلون بتلوين جميع الحضرات ويأخذ النصيب من كل شيء ولا يملكه شيء.