قال الشيخ محمود أبو الشامات في شرحه على الحكم العطائية، عند قوله: مطلب العارفين من الله الصدق في العبودية والقيام بحق الربوبية
مقصد العارفين رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ من الله تعالى شيئان: الأول: الصدق، أي الإخلاص في العبودية، التي هي الوفاء بالعهود وحفظ الحدود والرضا بالموجود والصبر على المفقود، والقيام بحق الربوبية أي واجبها وما تقتضيه وتستحقه من العبد.
وخلاصة هذه الحكمة أن العارفين يطلبون الإخلاص في العبودية بخلاف غيرهم، فإنهم يدعونها بلا برهان ولا دليل، بل أحوالهم تكذبها دعواهم من وجهين: الأول: ارتباطهم بالأسباب والتذلل لها؛ والثاني: ظهورهم بأوصاف الربوبية من عظمة وكبر وغير ذلك.
وكذلك القيام بحق الربوبية أعني ما تقتضيه وتطلبه خاصة، فهو للعارفين أيضاً ولغيرهم القيام بما تقتضيه نفوسهم بحسب الشهوات والأغراض المنبعثة عن العلل والأمراض، وأما ما يخص السالك في طريق السادة الصوفية إذا صدق في سيره وأراد الله خلاصه من العِلل ليكون عبداً له تعالى فإنه يُسلّط عليه الرجاء والخوف أولاً ثم يسوقه بالبسط والقبض ثانياً ثم يخرجه عنهما، كما شرع يقول:
بسطك كيلا يبقيك مع القبض وقبضك كيلا يتركك مع البسط وأخرجك عنهما كيلا تكون لشيء دونه
أقول : البسط والقبض يردان من الله تعالى على قلب السالك على التعاقب ولا يصح اجتماعهما في آن واحد بشخص واحد إلا لكامل المعرفة بالله تعالى، لأن بسطه بالله الظاهر به وقبضه من تعيينه وإمكانه، والمعنى أنه يرى نفسه مطلقاً مقيداً في وقت واحد وذلك من كل مقام بخلاف غيره، فإن بسطه أعني ظهوره بالله تعالى يفني قبضه أعني تعيينه وأحكام خلقه وإمكانه وما يقتضيه ذلك من أحكام وأعمال. وكذلك قبضه، أعني التعيين المذكور والحصر به وبما يقتضيه، يفنى بسطه أعني ظهوره بالله تعالى ويمحي شهوده.
والحاصل من ذلك كله : أن الله تباك وتعالى يسلط البسط على السالك وذلك بظهوره بالوجود وتنعمه بالشهود كيلا يتركه مع القبض الذي هو أحكامه الإمكانية وأحواله الخلقية البشرية الطبيعية، ثم يقبضه برؤية ما ذكر كيلا يتركه مع البسط خوفاً عليه من الاسترسال ودعوى الاستقلال ثم يخرجه عنهما كيلا يكون لشيء دونه وذلك بجمعه بينهما كما قدمنا. فيكون مقبوضاً بظاهره مبسوطاً في باطنه مشاهداً للإمكان والوجود، لا يفنيه ظهور الرحمن عن أحكام الإمكان ولا الإمكان عن الرحمن.
قيل لأبي سعيد الخراز: بما عرفت الله، قال: "بجمعه بين الضدين"، لأنه جمعهما بنفسه وشاهدهما بها وبمعرفته لنفسه عرف ربه تعالى كما قال عَلَيْهِ السَّلَامُ: "من عرف نفسه فقد عرف ربه".