العلم نقطة كثرها الجاهلون - سيدي إسماعيل حقي البروسوي

قال سيدي إسماعيل حقي البروسوي: 
اعلم أن النقطة شيء لا يقبل التجزئة؛ وهي إشارة إلى نقطة الوحدة الكبرى، وإلى هذه النقطة أُشير في القول: "العلم نقطة كثّرها الجاهلون". أي أن العلم نقطة البسيطة في لوح الوجود كثّرها وفصّلها الخارجون عن كتاب الشهود والغائبون عن مطالعة وجه المقصود والغافلون عن الحروف العالية الناظرة إلى جمال ذي الجود. واعلم أن أن سرّ هذه الوحدة لا يُعرَف على وجه الكمال بطريق غير المكاشفة، ذلك أن الأشياء تبدو متعدّدة في نظر العقل، ولكن لا يلزم من تعدّد الظهور تعدّدُ الذات. فمثلاً، لو كانت جوانب بيتٍ كلّها من زجاج صافٍ، لظهرت صورة الشخص المتجلّي في ذلك البيت من كل جانب من جوانبه، ولكن لا تعدّد في ذاته. وكذلك حقيقة الإنسان، وهي أمر واحد، تتجلّى في أفراد كثيرين، وتظهر في صور زيد وعمرو وبكر وبشر، ومع ذلك، فلا تعدّد ولا تكثّر في ذاتها.
فالحق تعالى كان كنزاً مخفياً؛ أي إنه لم يكن له فيه ظهور أصلاً لغير نفسه، وبالنَّفَس الرحماني أظهر تعيّن الإنسان الكامل، ونشر جواهر ذلك الكنز الصورية والمعنوية، ولم يلحق الكنزَ تعدّدٌ من كثرة هذه الجواهر. كما أن البحر، مع هذه الأمواج الكثيرة، متّصف بصفة الوحدة. والحاصل أن الإنسان هو متن نسخة سرّ الوحدة، وسائر الموجودات شرحها. ومن طلب بيان الحق نظر إلى تلك النسخة. وكما ظهرت من نقطة واحدة هذه التعيّنات الحرفية والكلمية والصورية الكثيرة، فإنه يعلم أيضاً أن هذه العوالم الكثيرة قد جاءت إلى التعيّن من نقطة وحدته، ووجدت الوجود العلمي والخارجي.
نظمٌ لمحرّر هذا الكلام:
انظر إلى مرآة الكون، وانظر أيّ صورة تُظهر؛ إنها تُظهر سرّ الوحدة من وجه كثرة الأسماء
الذين لم يدخلوا في دورة العشق لم يروا هذه النقطة، فإن تلك النقطة تُشير إلى وحدة الحق
 القلب الذي وجد سرّ "كل يوم هو في شأن" علم أن الله يُظهر الحكمة في كل أمر
 لا تنظر إلى كونه مختفياً وراء مئات الألوف من الحجب، فإن الحبيب يُظهر نفسه حتماً لطالب رؤيته
 ماذا تصنع تلك القلوب التي وجدت الفناء في ذات الحق بأي كرامة تظهر مع وجود شهوها للغيرية؟
 يا حقّي، إن كل ذرّة تُظهر نوراً من الحقيقة لتلك العيون المستنيرة من شعاع شمس الوحدة
وقال: 
 الذين رأوا نور ذلك الجمال الطاهر، ماذا يصنعون بالنار؟ والذين وصلوا إلى مجلس السلطان، ماذا يصنعون بالباب والجدار؟
 إذا وصلت إلى مشامّ الروح رائحة العنبر من ضفيرة الحبيب، فماذا يصنعون بصحراء الطلب؟
 الذين يقولون في هذه الدار: "لا موجود إلا هو"، ماذا يصنعون بساكنٍ آخر في العالم كلّه؟
 الذين شربوا من كأس فيض ذلك الحبيب في مجلس وصاله، ماذا يصنعون بصحبة الأغيار؟
 الذين يقفون في كل مكان، بلا جهة، بإزاء رؤية الحق، والذين وصلوا إلى كعبة المقصود، ماذا يصنعون بهذه الدار ذات الدخان؟
 يا حقّي، أولئك الذين جاءوا للإقرار في يوم الأزل، ماذا يصنعون اليوم بالإنكار الذي لا فائدة منه، منصرفين عن الحق؟