الفتوة الغيبة عن مساوئ الخلق في تجلي الحق - سيدي أحمد العلاوي

قال سيدي أحمد العلاوي المستغانمي قدس سره في شرحه على الحكم الغوثية عند قوله: الفُتُوَّةُ رُؤْيَةُ مَحَاسِنِ العَبِيدِ ، وَالغَيْبَةُ عَنْ مَسَاوِيهِمْ
من صفاء القلب رؤية محاسن العبيد والغيبة عن مساويهم، إلا أن نظرة العارفين راجعة إلى الفتوة على أقسامها: فرتبة المريدين الفناء في أفعال الحق والغيبة عن أفعال الخلق، فإن تحقق المريد في هذه الرتبة لم يجد للخلق مساوىء لغيبته عن أفعال الخلق في شهود الفاعل لها وهو الحق عز وجل، فإن تعددت الأفعال فالفاعل لا يتعدد، قال سلطان العاشقين في هذا المعنى، رضي الله عنه بعد أن كرر كلاماً في ظهور الأفعال على اختلافها وتباينها طاعة وعصيان وشرك وإيمان، وربح وخسران، ووجود المتضادين في آن من واحد: 
وفي الزمن الفرد اعتبر تلق كل ما بدا         لك لا في مدة مستطيلة 
وكل الذي شاهـدتـه فـعـل واحـد                بمفرده لكن بحجب الأكـنة 
إذا ما أزال الستر لم تر غیره                   ولم يبق بالأشكال إشكال ريبة 
وحققت عند الكشف أن بنوره                 اهـتديت إلى أفـعـالـه بـالـدجـنــة 
ولهذا يقال: من نظر الخلق بعين التحقيق أعذرهم، ومن نظرهم بعين التشريع مقتهم. 
وينبغي لطالب الله أن تكون له عينان: فعين الحقيقة يرى بها الخلق، وعين الشريعة يرى بها نفسه ليقوم بأدب الحق. وقد قيل: إن العارف لسان يجد وقلب يود لغيبته عن عمل الخلق في شهود العامل لها ولا يطيق المريد أن يرى محاسن الخلق إلا إذا فني في شهود الأفعال لوجود المخالفة الجارية في نظره قبل دخوله هذا الميدان، وتخلقه بهذا الشأن، ورد الأشياء لأصولها والأفعال لفاعلها ، فيجد الكل حسناً لا محالة لما قيل: 
وكل قبيح إن نسبت لفعله               أتتك معاني الحسن فيه تسارع 
 فبهذه النظرة يجد الكل حسناً لا غير، ويقول كمن قال: 
الكل جمال الله ليس فيه شك                     إلا وُشَاةُ الناس غلب عليهم الشك 
يا قاصداً عين الخبر إن حققت زال الشك      الذات عين الصفات ما في المعاني شك
 وإن لم يصل المريد إلى هذه الرتبة فهو على كل حال مطلوب بالكف عن تتابع مساوىء الخلق، لأن مساويه أكثر من غيره لو أنصف من نفسه، ولو رجع إلى فعله من أوله إلى آخره لوجد فيه ما يغنيه عن مساوىء العبيد.