الفناء أصفى والبقاء أكمل - سيدي محمد الحراق

قال سيدي محمد الحراق قدس سره:

البقاء في عرف أهل الطريق عبارة عن زوال الدهش الحاصل للسائر عندما تواجهه الحقيقة بظهورها له بعد بطونها عنه، فإذا دام عليه أشرق نور الحقيقة في جميع أحواله وألف شهودها ومارس ذلك وزالت حيرته ودهشه وصفا مشربه من قذا الحيرة والدهش، وكانت نظرته أصفا من الفاني أول فنائه، فإنك إن حققت النظر فيه وجدته غير تام نظره في الحقيقة لاختلاط نظرته بظلمة الدهش والحيرة، فإذا ألف الحقيقة وزالت عنه الحيرة كمل شهوده وصفا نوره غاية والله تعالى أعلم

الفاني انْجَمَعَ بالحقيقة في عالم الأرواح، والباقي انجمع بالحقيقة في عالم الأرواح والأشباح، فهو أشد انجماعاً بالحقيقة من الفاني، لأن الفاتي ظهرت له الحقيقة في بطونها وظهرت له أوليتها في آخريتها. والباقي، أعني الراسخ في الفناء، بطنت عنه الحقيقة في ظهورها وظهرت له في بطونها، وظهرت له أوليتها في آخريتها وآخريتها في أوليتها، الفاني واجهته الحقيقة بالذات فبطن بالجمع فهو غائب، والباقي واجهته الحقيقة بالذات فبطن وبالصفات فظهر فهو باطن ظاهر، وغائب حاضر وناطق صامت، وصامت ناطق.

ومشرب المجذوب المصطلم أصفى ومقام المجذوب السالك أكمل، الأول استولت عليه الحقيقة بظهورها في بطونها فبقاؤه في فنائه، والثاني تارة يكون بقوسين في القُرْب من حيث استشعار الفرق في الجمع، وتارة يكون أدنى من جهة الغلبة عليه وذلك نادر أحواله. والأول ملازم لمقام الدنو من حيث استغراقه في الجمع من غير فرق. أو نقول الأول ملازم لمقام الدنو، والثاني تارة في مقام القرب وتارة في مقام الدنو ، وتارة يكون شهوده في البين وهو قريب، وتارة يكون شهوده في العين وهو دنو ، وتارة يُطوَى فلا يفوته شيء من دوران فلك الحقيقة أولية وآخرية ظهوراً وبطوناً، ومن هذا الفريق تكون الأقطاب لأن فلك الحقيقة يدور عليهم. فشمس ظهورهم مشرقة في بطونهم كما أن شمس بطونهم مشرقة في ظهورهم، فهم في عالم الظهور ظاهرون وفي عالم البطون باطنون، ينظرون بكلتا العينين ويتنزهون في جنتين فلم تفتهم الشريعة في الحقيقة لوجود ظهورهم في فنائهم ولم تفتهم الحقيقة في الشريعة لوجود فنائهم في بقائهم وإن شئت قلت: لوجود بطونهم في ظهورهم. جعلنا الله في زمرتهم وحزبهم آمين .