قال الشيخ فخر الدين الفارسي في دلالة المستنهج:
اعلم أن القرب من الله تعالى على جهات: الأولى قرب الهداية والتوفيق، والثانية قرب الإيمان والتصديق، والثالثة قرب الإحسان والتحقيق. ومن آثار القرب التزام الطاعات والإنصاف في العبادات في دوام الأوقات ابتغاء الوصول إلى الدرجات لقوله عليه الصلاة والسلام: "ما اقترب المتقربون إلي بمثل أداء ما افترضت عليهم ولا يزال عبدي يتقرب إليه بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً فبي يسمع وبي يبصر".
ولا يتصور قرب العبد من الحق إلا ببعده من الخلق بقلبه دون ظاهره لاستحالة ذلك، وقرب الحق من العبد بالعلم والقدرة والإرادة للكافة، وباللطف والنصرة لخواص المؤمنين، وبالفضل للتائبين، وبالرحمة والعطف للأولياء، وبالرضا للمحبين.
وهو على الحقيقة مع الذاهبين به إليه {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} {ونحن أقرب إليه منكم} {وهو معكم أينما كنتم}.
واعلم أن رؤية القرب بعد وحجاب، لأن من شاهد لنفسه محلاً أو نفساً فهو ممكور به، ولهذا المعنى قيل: "أوحشك الله من قربه" أي من شهودك لقربه، فإن الاستئناس بقربه من سمات الغرة به لأن الحق تعالى وراء كل أنس، أما موضع الحقيقة فيوجب الدهش والمحو، والقرب من أحكام الصفات أما من حيث الذات فما غاب حتى يحضر ولا حضر حتى يغيب، كما قال أبو الحسين النوري رضي الله عنه: قرب القرب في ما نحن فيه بعد البعد.
واعلم أن الرؤية بعين الشهود تمحو الرائي في عين الجمع وتلك نهاية السير فأين القرب؟ والسر في ذلك انتفاؤهم في مواجهة الحق عياناً، بل عن مزاحمة الأسماء والصفات لانطوائهم في ظل تحقيق الفردانية، فخواص الأحرار يقع لهم بنور الحق الكشف الكلي بالكل، بانتفاء حجب الجهات والبشرية والرعونات الأنانية، فالتمس سر النور المودع فيك ولك، والمحيط بك ومعك لأن ارتفاع الحجب عن القلب يكشف علمه بحقائق الأشياء الخارجة عنه بما فيه من العوارف الألوهية، فينفجر من مكنون مركزه عيون الأسرار من ذات القلب وذلك نهاية المكاشفة ومبدأ المشاهدة المختصة بالأمناء المتمكنين.
فالولي المخصوص بمكاشفة الرؤية بعد انطواء البعد والقرب ومحو الأنا وزوال العنا كالطائر السارح على أنحاء الحضور والمسامرة والمنادمة، فإن كان في عالم الصورة حاضراً فهو في الحقيقة، حيث هو، كالساجد لصورة كعبة الحقيقة لدى الله بنعت المعية.