قال الشيخ علي الحجازي الأبيشهي الخلوتي:
فيلتزم المريد الصادق إذا أخذ العهد على شيخه أن يترك ثلاثة أشياء: أولها: أن يترك حلاسه؛ ثانيها: أن يترك جلاسه؛ ثالثها: أن يترك أنفاسه. فتركه لحلاسه هو خروجه من طور طلب الدنيا والآخرة إلى طور طلب المولى. وتركه لجلاسه هو الخروج عن مألوفاته والتخلق بزي أبناء الطريق والفقراء بصدق المحبة والشوق إلى الله تعالى. وتركه لأنفاسه: هو فناء نفسه ، وانطواؤه عن دائرة حسه.
والتجريد ينقسم على ثلاثة أقسام: تجريد ظاهر حسي، وتجريد معنوي، وتجريد باطن الباطن الحقيقي . القسم الأول: وهو تجريد الظاهر الحسي هو خروجك عن الأهل والأوطان، والمال والولد، وعن جميع مألوفاتك وكل شيء ألفته نفسك، فتخرج عنه تجريداً في حـب الله تعالى، وذلك بشرط أنك لا تعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع، كما قيل في المعنى:
حرام علي أن أميل لغيركم كما حرمت يوما لموسى المراضع
فإذا أخلصت في ذلك الله ظاهرًا أطلعك الله على التجريد باطنا . والقسم الثاني هو تجريد الباطن المعنوي، وهو انتزاع باطنك من الحوادث والعادات والهواجس والخطرات، وتتوجه بقلبك إلى مالك الأرضين والسماوات، فلا تركن ولا تعتمد على شيء سواه في جميع الحالات، فمن وصل إلى هذا التجريد الباطن المعنوي تجرد عن الكونين الدنيوي والأخروي، ووصل إلى تجريد باطن الباطن الحقيقي لأهل التحقيق والتجليات القائمين لكل رتبة في الكائنات المتحققين في كل ذرة من الذرات، فهذا شيء لا يخبر عنه بالخبر، ولا يدرك له أثر، فمن تجرد وفني في الله صار حيـا باقيا بالله ببقاء الله تعالى.
والطالب ينقسم على ثلاثة أقسام: طالب مُلك وهي الشريعة فلا يتعداها؛ وطالب ملكوت وهي طريقة فلا يتعداها؛ وطالب لاهوت وهي الحقيقة الواحدة وهو المستغرق فيها، فكل صاحب مقام من هؤلاء الثلاث لا يتعدى مقامه. فيجب على الطالب السائر إلى الله تعالى أن يتأدب مع إمام الشريعة ويعمل بآدابها وشروطها حتـى يفتح الله عليه بالطريقة وهي باطن الشريعة فيتأدب معها ، ثم يجب عليه أن يتأدب مع إمام الطريقة حتى يفتح الله تعالى عليه بالحقيقة ثم يجب عليه بعد ذلك أن يتأدب مع إمام الحقيقة وهو أن يكتم سر الله تعالى ولا يضع الحكمة إلا في أهلها .
فكل من أخل بشيء مما ذكرناه ، فكان من المغرورين المحجوبين الهالكين الواقفين مع إحساس نفوسهم الذين لم ينشقوا أنفاس العارفين المحققين الوارثين لقدم سيد المرسلين ، فأما الشريعة : فهو ما يجب عليك فعله في دينك ومذهبك مــن الفرض باتباع السنة، وأما الطريقة فهو ما استطعت عليه من قيامك واجتهادك في خدمتك لسيدك، وأما الحقيقة : فهي محل السحق والمحق بأن لا تراك وجودًا ولا عملاً ولا فعلاً مع الله تعالى. فإذا كان هذا السائر في الطريق إلى الله واقفا عند رتبة من الرتب، أو مقام مـن المقامات، أو أمر من أمور الظاهر أو الباطن فلا يصح له الجمع قط، وإذا كان في سفره سائرًا إلى الله تعالى ، فلا يلتفت إلى شيء ولا يقف مع شيء؛ بل يجد في الطلب حتى يظفر بالمطلب، فهذا علامة السير.