المعرفة الكاملة شهود الضدين - سيدي أبو بكر البناني

قال سيدي أبو بكر البناني في مدارج السلوك:

اعلموا إخواني أن الحق جل ما أوجدنا عبثاً، بل أوجدنا لأمر عظيم لعظمة قدرنا عنده، وهو معرفته سبحانه لقوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} أي ليعرفون.

فلا عبادة ولا عبودية ولا عبودة إلا بمعرفته سبحانه، فلا تصح عبادة لمن لم يعرف. ولا يُعرف سبحانه إلا بمعرفة ما ربط معرفته به، وهو وجود الإنسان المعبر عنه بالنفس لقوله: "من عرف نفسه عرف ربه". ولا نقول إن معرفة العبد ربه من هذه الوجهة هي معرفة إطلاقية إحاطية حتى تصح الدعوى من العارف أنه عرف ربه معرفة ذاتية، بل لسان العلم يقول: لا يعرف الله إلا الله، ونقول: هذه المعرفة التي حصلت للمتوجه إلى معرفة صورته، هي معرفة رابطة الربوبية والمربوبية، وهي عند التحقيق ترجع إلى معرفة أجزاء الوجود الذي هو النفس، فما عرف إلا جزء وجوده لا كله ، فضلاً عن أن يدَّعي معرفة الألوهية من حيث الإطلاق. وإذا كان لسان العلم والإيمان يسميها معرفة فنحن مؤمنون ومصدقون والحمد لله .

فكأنه يقول : معرفة النفس من حيث ما هي عليه من حيث الإحاطة متعذرة لعدم الإحصاء والوقوف على ما هي عليه، وإذا استحال هذا فمعرفة الله أولى بذلك. والمراد من هذا كله هو أن تعلموا أن الوجود كله يدعي معرفة الله سبحانه، فإذا تعرَّف له أنكره، وليست هذه هي المعرفة المطلوبة منا، بل معرفة الله يا إخواني هي أن تعرفوا أسرار كماله في مرآة وجودكم، وتعرفوا أسرار مراده فيما يسديه إليكم، فبذلك تعرفون ربكم، لأنه سبحانه لما كان الإنسان مراداً عنده لمعرفته وكمال معرفته لا يكون إلا باجتماع الضدين، إذ مبنى الوجود على ذلك، كان من كمال بره وإحسانه أن لوَّن التجليات حسبما تقتضيه قوة العارف في الوقت، وإن كان المتجلي في جميع التلوينات واحداً، لكن لون الماء لون إنائه، فتارة يتعرف إليك بإشراق شموس نهار البسط لكمال إحصائك لاسمه الباسط المنعم الكريم الجواد الرحيم المعطي إلى غير ذلك، وتارة يتعرف إليك بإشراق نور الجلال الكامن في صدفة اسمه القابض المانع المنتقم إلى غير ذلك، وأنت ما بينهما تجني ثمار المنى وتعرف ما يخاطبك به الحق على لسان الرسول الذي هو الوارد الإلهي الذي هو نفس التعرف حتى تكون عبد الله وتزداد منه قرباً بكلتا الحالتين، إذ كلتا الحالتين آتت أكلها ولا تدري أيهما أقرب لك نفعاً.

ومراد الحق من تحويل الشؤون إخراجك عن نظرك حتى لا تكون عبداً لغيره، وتحصيل كمال العلم بكمال جلاله وجماله، إذ كماله لا يكون إلا باجتماع الضدين، فمن لم يعرف الله في الجلال والجمال لم يعرف الله معرفة كاملة، إذ صاحب العلم بجهة واحدة محروم، فمن لم يسره وصف المنع والقبض والقهر وغير ذلك من أوصاف الجلال كما يكون سروره بضد ذلك فليس هو عبد الله وليست عنده معرفة به حتى يكون عبداً له، بل إنما هو عبد هواه كما لا يخفى على من نور الله بصيرته.