الموجود على الحقيقة هو الله - الشيخ إسماعيل حقي البروسوي

قال الشيخ إسماعيل حقي البروسوي في تعليقته على تفسير القاضي عند قوله: "أرشدنا طريق السير فيك":

الإرشاد: الدلالة على الطريق، والسير المضي في الأرض، استعير كالسلوك في السير في المنازل الأخروية، والمقامات المعنوية، وقيل في وصف الأولياء: أبدانهم في الأرض سائرة، وقلوبهم في الملكوت جائلة.

ومعنى السير فيك: السير في مطالعة آثارك بالعقول، ومكاشفة أفعالك بالقلوب، ومشاهدة صفاتك بالأرواح، ومعاينة ذاتك بالأسرار. فالسير إلى الله: هو رفع حجب الكثرة عن وجه الوحدة بإزالة التعشق بالمظاهر والأغيار. والسير في الله هو رفع حجاب الوحدة عن وجوه الكثرة بالاتصاف بصفات الله، والتخلق بأخلاقه. فالأول هو سر الخلوة والتحليل بعد التعقيد، وهو المشار إليه بقوله: لا إله إلا الله. والثاني: سر الجلوة والتعقيد بعد التحليل وهو المدلول عليه بقوله: محمد رسول الله. فأهل الفناء والبقاء خلوتية جلوتية، وأهل الفناء خلوتية فقط.

فعليك بالعروج والنزول حتى تكون من أهل مقام: {ثم دنى فتدلى}. وليس في العالم سكون البتة، وإنما هو منقلب دائماً، دنيا وأخرى، من حالٍ إلى حال، ظاهراً وباطناً، إلا أن ثمة حركة خفية كحركات الثوابت،، وحركة مشهورة كحركات السيارات. والساكن إذا سكن ففي من؟ وإذا تحرك فإلى من؟ وإذا اجتمع فبمن؟ وإذا افترق فعمّن؟

فما ثمة إلا الله، لا شي غيره، فسكن في الله فهو مقره إذ كان في علمه ولا عين له، وتحرك إلى الله كما قال: {وتوبوا إلى الله}أي ارجعوا إلى ما منه خرجتم، فإنهم خرجوا مقرّين بربوبيته ثم نازعوه فيها، فقيل: ارجعوا إليه، وليس إلا الله ولا رجوع إليه إلا به، إذ هو الصاحب في السفر، إذا رجع رجعنا، لأن الرجوع لا يكون إلا لمن له الحكم، ولا حكم إلا لله، كما قيل: {ثم تاب عليهم ليتوبوا}.

فإذا تحرك العبد إليه بالتوبة فمن مضل إلى هادٍ، وهو الهادي، وإذا اجتمع فبالله في عين كونٍ تولاه الله، وهو قوله لعبده: "هل واليت فيّ ولياً؟"، فإنه عند وليه، فمن والى لله فقد والى الله، فإن كنت أنت ولياً فاعلم أن الله أيضاً مع، وإذا واليت ولياً والله معه فقد اجتمع الله بالله. وأما الافتراق: فعن من؟ فتمام الخبر، وهو قوله: "أو عاديت فيّ عدواً؟"، ومن عاديته فقد فارقته، فإن الهادي يفارق المضل، والنافع يفارق الضار، وليس إلا هو سبحانه.