قال الشيخ محمد بن الشماع الحموي، المتوفى سنة 863 هجرية:
قال تعالى: {ألا إنه بكل شيء محيط}، ولفظ الإحاطة موهم، وقد عمل الوهم في المشبهة حتى ظنوا أنه تعالى محيط بالعالم إحاطة بياض البيضة بصفرتها، وهذا جهل محض أنتجه الوهم، بل الحق المعتقد من غير ريب أنه تعالى الموجود المطلق الحق الأزلي الأبدي، وهو تعالى لا يحلو منه مكان، ولا مكان لذاته، لثبوت حدوث الأمكنة وثبوت قدم ذاته تعالى غير المتناهية، وملا يتناهى لا يسعه المتناهي، بل هو الواسع العليم، وسع كل شيء وأحاط بكل شيء، فهو أول شكل شيء وآخره ولا أول له لا آخر، أزله أبده وقدمه بقاؤه، وهو مع كل شيء، محيط بكل شيء، قائم على كل نفس، وأينما توجهت كان وجهك إليه {فأينما تولوا فثم وجه الله}.
فالممكن أينما وجّه وجه طلبه لاستمداد وجوده فلا يتوجه إلا إلى حضرة الوجود الممد الوهاب من حيث يدري ومن حيث لا يدري، ووضع الله تعالى الكعبة البيت الحرام لأن الوجوه أرضية والكعبة مها، وجعل العرش قبلة القلوب لأنها سماوية والعرش كذلك، وأعجب من ذلك الأرواح لأن الأرواح عنده.
واعلم أنه جل جلاله يتجلى لكل مخلوق من حيث يتأثر ذلك المخلوق ليجعله دليلا على قدم وجوده، فلا موجود مطلق إلا الله، والمقيد معوم عند تعريه عن قيده، والقيد أيضاً من الوجود المقيد، وعند تعريه عن لازمه يكون معدوماً. فإذن لا موجود إلا الله تعالى، والكل دون الله إن حققته عدم على التفصيل والإجمال، فإذا زالت المحسوسات والمعقولات عن شهودك في معرفة الحق فقد سقطت أحكام الكثرة الموهمة مزاحمة الوحدة الصرفة، وعند انقطاع الوهم، لا تضاد الكثرة الوحدة أصلاً، ولا تقدح فيها بوجه.
واعلم أن الصورة والمقدار والحد والاتصال والانفصال والبداية والنهاية توابع الأجسام، وأن الحق من حيث ذاته منزه عنها عقلاً، فإذا علمت ذلك تيقنت أن العرش والكرسي والسماوات والأرض وما فيها كلها لا تزاحم ذات الحق لعدم المناسبة بينها وبين الله تعالى وتقدس، وإنما يغلط الوهم من حيث عقلت استحالة حسمين في مكان واحد أو جوهرين في حيز واحد، وليس هذا حال أهل الله إذ رقت بهم العناية الأزلية إلى حد سقطت عنهم أحكام الكثرة، وكانت معرفتهم الحق بما تعرف به إليهم من تجليه لقلوبهم المزكاة عن الميل إلى غيره.
ألا ترى أن العاشق العارف إذا رأى من آثار محبوبه شيئاً لا ينظر إلى ذلك الشيء من حيث هو، ولكن من حيث تجلى فيه من صفات محبوبه، فيذهل بمشهوده عن شاهده، ويقول: "لا موجود إلا الله"، فيجد الوجود صفة ذاتية للحق، وعارضية له معارة لا تثبت له إلا من وجه إثبات الحق، فيستحي من نسبة الوجود إليه بعد إشراق شمس التعريف الإلهي من جناب الغيب والإطلاق فافهم.