قال سيدي أبو بكر البناني الشاذلي الدرقاوي:
اعلم أننا قد حمدنا الله على نعمه التي لا تحصى كثرة من حيث إن بعضها ظاهر وبعضها باطن، والظاهر منها ظاهر بصورة الباطن كما أن الباطن منها باطن بصورة الظاهر، ولا يدرك النعمة من حيث هي نعمة إلا من فتح الله بصيرته فشاهد القضاء فائضاً من بحر الحقيقة الإلهية فعلم يقيناً أن الأمر كله الله، وأن النعمة الحقيقية هي ما أبرزته القدرة سواء ورد القضاء في صورة النعمة الطبيعية أو في صورة النقمة، فسلب الإرادة الله في نفسه وفي العالم فلا يقع بصره على أثر صفة القدرة إلا رأى الله فيه رؤية علم وشهود، أي شاهد الفاعل الحقيقي.
واسمعوا إخواني ما يصدق هذا المعنى، وهو ما روي عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول: "أصبحت وما لي سرور إلا مواقع القدر". هذه والله هي النعمة التي لا يقوم بشكرها إلا من فني في المنعم عن النعمة فكانت نعمته هي تنعمه بحبيبه لا من وقف مع الطبع ورمى بميزان الشرع فإن هذا والله نعمته قليلة بل لا نعمة له، لأن النعيم إنما يطيب بفقد الحجاب عن مشاهدة الأحباب.
ولما كانت النعمة حجاباً عن رؤية المنعم كانت نقمة بل لا أعظم منها من حيث الانتقام إذ تمام النعيم إنما هو بالنظر إلى وجه الله العظيم. وقد علمتم أن المنعم من الإنسان هو قلبه ومن فقد قلبه برؤية النعمة فقد النعمة حقيقة لفقدان من يعلم حقيقتها من حيث الالتذاذ.
فأيقظوا همتكم لمعرفة الحق كيف أمر الله بمعرفته، ومن زعم أنه حقيق بهذا المشهد العزيز الوجود كما هو شأن النفوس الخبيثة فليزن بميزان الشريعة على نفسه فإن اعتدلت كفتا الميزان واستوى قسطاسه من حيث الاستقامة على وصف واحد ونعت متحد فليحمد الله على النعمة الحقيقية، وإن عدلت كفة الأخرى فليتق الله صاحب الدعوى، فإنه عند الامتحان يعزّ المرء أو يهان.
والميزان الذي يزن به الإنسان على نفسه في دعوى شهود المنعم في النعمة هو ما علمه رسول الله ﷺ لأمته بسؤاله عمر بن الخطاب حيث قال له: "هل استويت يا عمر؟" وقد قال عارف بالله: إنما سأله عن شمس الأحديّة هل بلغت كبد سماء قلبه الذي هو خط الاستواء لأنها إذا حلّت في خط الاستواء انقطعت ظلال الموجودات وبقيت الشمس بلا أثر للكائنات، فكان المشهود واحداً فعلاً وصفة وذاتاً.
وعلامة الاستواء أن تتحد الصفة من العبد بالنسبة إلى أثر القدرة الأزلية بحيث لا يرى له زيادة ولا نقص بحال من الأحوال لاتحاد الصفة لديه فيتنعم بالجلال الصوري كما يتنعم بالجمال الصوري بحيث لو دخل الترجيح إحدى الجهتين ولو مقدار قلامة ظفر حكم عليه بفساد الحال وكذب الدعوى، وهذه حالة عظيمة قل من حصل عليها، ومن حصل عليها ولو مقدار لمح البصر من عمره سعد سعادة لا يشقى بعدها أبداً فأحرى بأكثر من ذلك.