فأينما تولوا فثم وجه الله -سيدي سليمان الكوستنديلي النقشبندي قدس سره

قال سيدي سليمان الكوستنديلي النقشبندي، قدس سره:

سواء قيل في العوالم أنها عالمان أو ثمانية عشر ألف عالم أو سبعون ألف عالم أو عوالم لا نهاية لها، فجميعها علامات وجود حضرة الحق جلّ وعلا. وسواء أُخذ مجموع العوالم جملةً واحدة، أو أُخذت كل صورة وتعيّن في كل عالم على انفراد، أي ولو كان وجود كل ذرة على حدة، فإن الوجود علامة على الحق. وجميع هذه الأشياء وجهُ الحق كما ورد في قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.

والمراد بوجه الله وجودُ الحق في التعيّنات الممكنة، إذ إن تلك التعيّنات المتكاثرة والتصوّرات والتشخّصات المتوافرة، من حيث إنها عدم، قد أُضيفت إلى الوجود الواحد، واتخذت صوراً وتعيّنات على تلك الحقيقة الواحدة المنبسطة، فظهرت كأنها موجودة، وعلى هذا، فإن هذه الأشياء، وإن اعتُبرت موجودةً خيالاً ووجوداً، وكانت هناك صور ممكنة، فإنها جميعاً، من وجه واحد، معدومة وخيالية وموهومة وظلال. وليس فيها أصلاً أثر من الوجود، ولا ثمرة من الكينونة. وإنما ظهورها كأنها موجودة، وظنّ أنها ذات وجود، ناشئ عن إظهار الذات للكثرة والتعدّد في التجليات، نظير تعيّن أمواج البحر، وإلا فإن البحر والموج ماء واحد، وليس أحدهما منفصلاً عن الآخر ولا غيره.

فمن حركة الريح يتحرّك سطح البحر، وتظهر تموّجات متكاثرة واضطرابات متوافرة، وهي أيضاً من حركة وجود البحر. وكذلك ظهرت المظاهر الكونية الصورية، بمقتضى التجلّي السبحاني والنَّفَس الرحماني، وبمقتضى الأسماء المتقابلة والصفات المتخالفة، في ألبسة مرآتية صورية، موافقةً لمنشأ استعداداتها ومطابقةً لقابلياتها، دون أن يكون لها نصيب، ولو لآن واحد، من بقاء وجودها الظلّي، بل إنها في كل آن، بل في الآن غير المنقسم، لا تخلو من المحو والإثبات، ولما كان في كل آن شأن، فإن جميع العوالم، في كل طرفة عين، من الأزل إلى الأبد، لا تخلو من الإفناء والإيجاد والمحو والإثبات، ولا يُرى محوها لسرعة تعاقب بعضها بعضاً. وأما إثباتها، فيُقاس ويُظنّ معه أن العالم، منذ خُلق وأُوجد، باقٍ على قرار واحد وحال واحدة، مع أن الأمر ليس كذلك. فقد ورد قوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾، والمراد باليوم، والله أعلم، هو الآن.

فمثلاً، إذا نُظر إلى نهر سريع الجريان، عُلم أن القطرة التي تعلّق بها نظر كل ناظر لا تنفكّ عن المرور وقيام مثلها مقامها. وهكذا عُرف دوام العالم وبقاؤه. وليس العالم إلا علامة على وجود الحق الوجودي. وعلى هذا الوجه صار العالم مرآةً، فلما انعكس وجود الحق في تلك المرآة ظهر سرّ قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾.

إذ لما كان الموجود الحقيقي هو الحق، وكان العالم معدوماً مطلقاً، فإنك حيثما نظرت في العالم تكون قد شاهدت وجه الحق.