فاذكروني أذكركم - سيدي عبد الغفور اللاري النقشبندي

قال الشيخ عبد الغفور اللاري، خليفة سيدي عبد الرحمن الجامي النقشبندي، المتوفى في القرن العاشر الهجري:

الذكر هو كلمة لا إله إلا الله، وهو مركبٌ من النفي والإثبات. فالنفي يزيل المواد الفاسدة التي منها تنشأ أمراض القلب، وقيود الروح، وقوة النفس الأمارة ورسوخ صفاتها وتعلقها بالكونين، أي: الغيب والشهادة، أو الدنيا والآخرة، أو العلم والعين. والإثبات هو مدلول "إلا الله"، وبه تحصل سلامة القلب، وخلاصه من الأخلاق الرديئة التي نشأت بسبب انحراف المزاج الأصلي حياته بالنور الإلهي.

وعندئذ، إذا صار الأمر كذلك، تنجلي الروح بتجليات شواهد الحق، وبالتجلي الذاتي والصفاتي، وتستنير أرض النفس بظهور نور مربيها، ويزول ظلام صفات النفس، فيتحقق معنى قوله تعالى:

﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾

أي: إن أرض النفس وسماءها تتبدلان، فتظهر الروح ظهورًا آخر، ويظهر المربي الإلهي فيها بصفة القهارية، بعد أن يُفني العبد عن نفسه، تحقيقًا لقوله تعالى:

﴿فاذكروني أذكركم﴾

أي: إذا ذكرتموني جعلتكم مذكورين لي، فحينئذ يفنى الذاكر في الذكر، ويفنى الذكر في المذكور، ولا يبقى للعبد وجود في مقابله.

ومن المعلوم أن ما يغلب على القلب ويستولي عليه هو إلهه، وأن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص؛ فرب شخص يكون إلهه جمادًا، كالذهب والفضة والمتاع ؛ ورب شخص يكون إلهه نباتًا؛ ورب شخص يكون إلهه حيوانًا كالسباع والبهائم. ورب إنسان مسخ بوصف إلاهه الوهمي، فمثلًا، إذا غلب الغضب على إنسان، كان مسخه الكلب، واتبع الكلب. وإذا غلب عليه الكبر، كان مسخه الطاووس. وإذا غلبت عليه الشهوة، كان مسخه الحمار، واتبع الحمار. وعلى هذا القياس.

فينبغي للسالك أن ينظر إلى أي شيء تعلقت نفسه، وما الذي استولى عليها، فيزيله، وأن يدفع المواد الفاسدة بإحدى طريقتين:

إحداهما: أن تكون روحه مناسبة للجذب الإلهي، وهذا نادر. والجذب الإلهي هو أن يتجلى الحق سبحانه وتعالى على العبد بتجل خاص، فيتعلق بذلك الوجه، وتنقطع جميع علاقاته بغيره.وقد يكون هذا الجذب الإلهي من غير واسطة بشر، وقد يكون بواسطة بشر صاحب جذب.

والطريقة الثانية: أن يعيّن المشايخ، بحسب اختلاف الأحوال والاستعدادات، بعض الأسماء الإلهية، ويكلفوا الطالب أن يشتغل بالاسم الذي يناسب استعداده، ويعرضوا عليه الأسماء الإلهية، وينظروا أيها أشد تأثيرًا فيه، ثم يأمرونه بالمداومة عليه.

وقد اختار بعضهم الاسم المبارك "الله". ووجه هذا الاختيار أنهم قالوا: إن في كل نفس احتمال انقطاع النفس، فعلى السالك أن يعد كل نفس آخر أنفاسه، ولذلك قرروا أن يكون ذكره في آخر الأنفاس الاسم المبارك "الله"، لأنه اسم الذات، وأن يتوجه إلى الذات بهذا الاعتبار؛ أي إلى الذات الجامعة لجميع الكمالات، حتى يكون توجهه إلى الذات التي ظهرت بها جميع الأسماء، وإليها تنتهي جميع الموجودات.

فإذا داوم الذاكر على الذكر المعيّن له، زالت رسوم النفس شيئًا فشيئًا، وضعفت صفاتها، وقويت الروح، وانكشفت أنوار القلب، وصار القلب قابلًا لتجليات الحق. وعندئذ يبلغ الذكر غايته؛ إذ ينتقل الذاكر من ذكر اللسان إلى ذكر القلب، ومن ذكر القلب إلى ذكر الروح، ثم يغيب الذكر والذاكر والمذكور في شهود الواحد. وهذا هو المقصود الحقيقي من الذكر عند أهل التحقيق، لا مجرد تحريك اللسان بالألفاظ؛ فإن اللسان وسيلة، وأما الغاية فهي حضور القلب، ثم فناء القلب في الحق تعالى.