قال سيدي محمد بن يلس التلمساني في قوله صلى الله عليه وسلم: "لكل امرئ ما نوى"...»، وقولهم: ولا نية للناسي والمخطئ.
الناسي إن كان قلبه مشغولاً بغير الله فهذا نقص في حقّه، إلا إن الله سامحه في تأخُّره بالعبادة إلى وقت التذكُّر، قال صلى الله عليه وسلم: "رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه"، وأما إذا نسي ما سوى الله واستهلك بالكلِّية في حضرة الله، فهذا يصدق عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "لي مع الله وقت لا يسعني فيه مَلَك مقرَّب ولا نبيّ مُرسل"، ويصدق عليه قوله صلة الله عليه وسلم: "جذبة من جذبات الحقّ توازي عمل الثَّقلين"، وهذه يقال لها حضرة الإطلاق.
وهكذا حكم ورثته لهم مع الله سرّ لا يصل مخلوق إليه حتى الملَك، وهذا هو الذكر الخفي الذي لا يشعر به الملَك، وذلك عند تشرفهم بتجلي الذات فإنه عند ذلك تذهب العبارات وتنمحي الإشارات، ويكلّ اللسان ويبهت الجنان، وهذا الأمر لا يسعه إلا الإيمان حتى تلمع لامعة من مقام الإحسان، ويقال لمنكره: إذا لم ترَ الهلال فسلِّم لأناس رأوه بالأبصار وانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن التقي"، فقلب وسع الحقّ كيف يمكن أن يعبِّر عما فيه، وإن كان ذلك الوسع مما لا تفهمه العقول وإنما يقبله الإيمان ثم الإحسان، وقال أبو يزيد: "لو أن العرش في زاوية من زوايا قلب العارف لما أحس به"، فقلب هذه صفته لا يحيط بأسراره ولا يصلح ما فيه إلا مولاه، فعليك يا أخي بالتحبُّب لأمثال هذه القلوب واخضع لها، لعل الله ينظر إليها نظرةً فيراك فيها، فيجذبك إليه جذبةً خير لك من عمل الثقلين. قال سهل، رضي الله عنه: "إن الله ينظر إلى قوم وينظر إلى قوم من قلوب قوم" فتحببوا إلى قلوب أولياء الله فلعل الله ينظر إلى قلوبهم فيراكم فيها.
وبذلك السِّر الذاتي تعرف القوم في الكائنات فما يريدون شيئاً إلا الذي أراد تعالى فما أراده لا بد أن يقع فما أرادوه لا بد أن يقع؛ لأن مرادهم تابع لمراده؛ فمنهم من يعلم مراد الله في ذلك السِّر قبل وقوعه بكشف يمنُّ الله عليه به، ومنهم من لا يعلم إلا بعد وقوعه، فكلما وقع شيء قالوا: هذا عين مرادنا؛ لأنه عين مراده لوقوعه؛ لأنه لا يقع إلا ما أراد، فكلا القسمين من السادة لا يقع في الكون إلا ما أرادوه لأنهم لا يريدون إلا ما أراد، وصاحب هذا المقام لا يعتريه أبداً همٌّ ولا غمٌّ؛ لأن الأشياء كلها موافقة لمراد الله ومراده تابع لمراده، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمن قال له: أوصني، قال: "لا تغضب"، إشارة للتحقق بهذا المقام: كن عبداً لمولاك لا تختر من أمرك شيئاً، واجعل إرادتك تابعة لإرادته، وكيف يعتريه الغضب من كان هذا مقامه؟
إذا ما رأيتَ الله في الكلّ فاعلاً رأيت جميع العالمين ملاحا
ولهذا لما شكا شخص إلى النبي صلى الله عليه وسلم الهمّ قال له: "قل الله الله الله ربِّي لا أشرك به شيئاً". فأشار صلى الله عليه وسلم في دوائه إلى أن الهمَّ سببه الشرك، فعلاجه الرجوع إلى التوحيد.