قال الشيخ أبو بكر البناني:
اعلموا أن الله تبارك وتعالى إذا أكرم عبداً من عبيده بالتوفيق لخدمته واستعمله في موجبات مرضاته بأن أسعده بملاقاة ولي من أوليائه الذي هو عين من عيون الله فإنه لا محالة أن الله تبارك وتعالى قد أعظم منته عليه حيث كشف له عن حقيقة أهل التخصيص، فيلزمه أن يقوم بشكر هذه النعمة التي هي أجل نعم الله على عبيده وشكرها هو أن يقوم بواجب الخدمة وما يقتضيه باعث المحبة من كمال الأدب الذي هو روح السير في طريق الخصوصية، إذ صاحب الأدب يبلغ في قليل من الزمان مبلغ الرجال، وصاحب سوء الأدب على العكس من ذلك. وقد اتفق أهل الله قاطبة على أن من لا أدب له لا سير له، ومن لا سير له لا وصول له، ومن لا وصول له لا فتح له، ومن لا فتح له لا حال له، ومن لا حال له لا علم عنده، ومن لا علم عنده لا عمل له، ومن لا عمل له لا دين له.
وبالجملة، السلامة للمريد في التسليم والاعتراض نوع من الجحيم، وما رأينا ولا سمعنا فقيراً أخذ بالميزان على دائرة المشيخة إلا أخذ له الله. هذا ومما يجب التنبه له وعليه أن المريد يجب عليه أن لا يعتقد العصمة في شيخه، فإن الشيخ وإن كان على أكمل الحالات فليس بمعصوم ولا يستدها هو في نفسه فقد تصدر منه الهفوة والهفوات والزلة والزلات ولكن لا يصر عليها ولا تتعلق همته أبداً بغير الله ولا يركن إلى سواه. فيقع له القصور في جانب الحق، أي الشريعة، لا في جانب الحقيقة. وقد أشار الشيخ محيي الدين الحاتمي رضي الله عنه إلى ذلك في آداب المريد بقوله: ويجب على المريد أن يعتقد في شيخه أنه عالم بالله ناصح لخلق الله ولا ينبغي له أن يعتقد في شيخه العصمة في أحواله، فافهم.
ومن لم يعتقد في شيخه ما يعتقده هو في نفسه من عدم العصمة بأن يفرط فيعتقد فيه العصمة كما يقع ذلك لبعض الغلاة يظل من الإنكار عليه إذا صدر منه ما يخالف اعتقاده في لهب جمر القطيعة والطرد والإبعاد، نسأل الله السلامة والعافية.