وجود ذنب لا يقاس به ذنب - الشيخ جمال الدين الخلوتي

قال الشيخ جمال الدين الخلوتي في شرحه لكلمات سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، عند قوله: "أتدرون أي الذنب أسرع عقوبة؟ البغي وقطيعة الرحم":

المراد ظاهراً نصح السالكين بتجنب البغي وقطيعة الرحم، لئلا يتجلى عليهم الحق بالصفة القهرية. فلا بد للمؤمن ألا يتبع هواه حتى يفتح طريق الحق إليه وقواه، فأن اتباع الهوى عين البغي، وبه يدخل في نار الأخلاق الذميمة، وكذلك حال قطيعة الرحم لأنه انقطاع الروح الإضافي عن أصله المحمدي الرباني، وهذا يستلزم الدخول في نار الصفات الذميمة قبل الموت الاضطراري، ولا يخرج منه إلا بعون الملك العلام وفضله.

فوصل الرحم المحمدي أعظم صلة لأنه صلى الله عليه وسلم أم الأشياء وأبو الأرواح، كما قال سلطان العاشقين عمر بن الفارض:

وإني وإن كنت ابن آدم صورة      فلي فيه معنى شاهد بأبوتي

ويجوز أن يكون المراد من قوله أي لا تحتجبوا بأي حجاب نوراني أو ظلماني لئلا يلقيكم الله في نار الفراق، كما قيل: "وجودك ذنب لا يقاس به ذنب". فلا بد للسالك أن لا يلتفت إلى أي رتبة أو تعين لأنه عين الحداب حتى يصل إلى ذات الله تعالى، وإليه أشار رب العزة بقوله: {ما زاغ البصر وما طغى}، وإليه أشار حبيب رب العزة عليه الصلاة والسلام بقوله: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أصحاب القبور".

واعلم أن التنزل والترقي نتيجة لتجلي الاسم الرافع والاسم الخافض، في صور الأسماء الصالحة والفاسدة، لأن الإنسان مظهر الأسماء الإلهية، فإن عمل خيراً فهو ما اسمه الهادي الرافع، وإن عمل سوءاً فهو من اسمه المضل الخافض، وقس على هذا سائر الأسماء الإلهية، وإليه أشار رب العزة بقوله: {كل يوم هو في شأن}.

واعلم أن تجلي ظهور الذات، وقد يكون بالألوهية، كما كان للنبي صلة الله عليه وسلم وإليه أشار رب العزة بقوله: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله}، أو بالربوبية كما كان لموسى عليه السلام كما في إشارة رب العزة: {فلما تجلى ربه للجبل}.

والحاصل أن المرئيات موجودة بظهور الحق، ومن أراد الخروج من التعين وقيد التشبيه فلا يلتفت إلى هذه المرئيات حتى يصل إلى التنزيه، كما قال الشيخ المغربي رضي الله عنه:

تجلى معشوقي لأحبابٍ وعشاقِ         بتنزيه وتشبيه وتقييد وإطلاقِ

تبدى وجه حسناً، تجلى حسنه وجهاً    بأسماء وأوصافٍ وأفعالٍ وأخلاقِ