قال الشيخ سعد الدين الحموي، خليفة سيدي نجم الدين الكبرى، المتوفى سنة 650 هجرية:
قال الله تعالى: {يا أيها الناس اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، ينبغي للصادق أن يكون مع الصادق، ويكون ساكناً في كل متحرك وناطق، وأن ينفرد بالله عن المخالف والموافق، وأن يكون في عطائه ومنعه مرزوقاً غير رازق.
وليحفظ هذا الصادق قلبه في صدقه، ناظراً ببصيرته إلى جمعه في فرقه، ولا ينظر بالعين العوراء إلى ظاهر الخضراء والغبراء، بل ينظر بعينه القلبية الكبرى إلى حقيقة الاستواء بالذات والصفات والأسماء، ولينظر من بطن من العماء في الأرض وفي السماء.
فمن سعى في تحصيل المعية مع الصادقين تحصل له الكينونة مع الله ورسوله، ومن عجز عن ذلك فله التمسك بالأخبار، وعليه ملازمة الآثار، وينبغي أن يلازم الذكر بقلب حاضر وفكر ناظر، وأن يشتغل بقراءة القرآن في الصلاة في أكثر الأوقات، وأن يطرح دنياه عن عينه وقلبه، ويفوض أمره إلى ربه، وأن يتخذه وكيلا، ويجعل عمله عليه دليلا، وأن يجتنب المخالطة والمعاشرة مع الأحداث، ويطهر نفسه عن الأخباث.
أيها الطالب السالك! اعلم أن لكل حق مصداقاً، وأن لكل محب إنفاقاً، ومصداق كل حق الإطلاق عن كل قيد ووثاق، واعلم أن ما دام فيك عرق نزاع فلا تتخلص من وجود المانع عن ذلك المعنى. وأول الوصية تحصيل الطهارة، وآخرها طرح التصنع والعبارة، فظاهر الوصية الخروج عن كل حظ، وباطنها الإقبال على الحق.
لا تعود نفسك الاختيال والاختلال في وظائف الأعمال، ولا تر عيباً إلا نفسك، ولا تمشِ إلا في ظل عكسك، كن مع الله حيث كنت، واطلبه من حيث تجده، واحفظ نفسك عن النفاق والكذب، والغيبة والطمع، وكن سميعاً بصيراً، وبيّض صفيحتك بالفناء والتجريد وباليقظة الدافعة للغير، والمزيلة للأثر، وسود بياضك بنقاط ثلاث: توحيد الأفعال وتوحيد الأسماء وتوحيد الذات ترشد.
واعلم أن القرآن حبل الله المتين، ومفهومه خُلُق رسوله الأمين، وهو دلو يستقى به الماء المعين، فمن شرب منه علم أن ما سوى الله مخلوق من ماء مهين، وأن الماء المعين ينزل من عالم الغيب، وهو عالم الأمر، وأن الأمر يتجلى في عالمه، وأنه كان ذلك في الكتاب مسطورا، وعلم أن الماء المهين إنما يسقى لما كان في عالم الشهادة والخلق محصورا، فكن ممن أخذ الماء المعين من اسمه الحي لا ممن أخذ الماء المهين من كل شيء هالك ترشد والحمد لله رب العالمين.